روايات وقص

فضلت واقف ماسك الايصال

قالت

— التحاليل اللي كانت معايا مش تحاليلي

سكت البيت كله

حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي

— يعني إيه؟

سارة قالت وهي بتعيط

— التقرير اللي شوفته عند الدكتور كان باسم ست تانية

بصيت لأمي

وشها اتغير

— مين الست دي؟

سارة هزت راسها

— معرفش

وبعدين طلعت من جيبها ورقة صغيرة ومدتهالي

— بس اسمها موجود هنا

أخدت الورقة

قريت الاسم

واتصدمت

لأن الاسم كان اسم واحدة أعرفها كويس جدًا

واحدة مستحيل أتخيل إنها تكون طرف في اللي بيحصل

رفعت عيني لسارة وقلت

— إنتي متأكدة؟

هزت راسها

— أيوه

قبل ما أكمل سمعت صوت أمي من ورايا وهي بتقول جملة خلت الدم يتجمد في عروقي

— أحمد… لو عايز مراتك تفضل عايشة انسى الورقة دي وانسى إنك رجعت مصر أصلاً.

لفيت ناحيتها ببطء

ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عيني أمي

وساعتها فهمت إن اللي قدامي مش مجرد خيانة عائلية ولا سر فلوس

أنا كنت دخلت في حاجة أخطر بكتير

وحاجة بدأت من أربع سنين وأنا بعيد عن مصر

لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان

ليه اختاروا سارة بالذات؟

وليه كانوا عايزينني أصدق إنها مريضة؟

والأخطر من كل ده إن الاسم اللي على الورقة كان مفتاح السر كله…

بصيت للورقة اللي في إيدي وبعدين بصيت لأمي وقلت

— أنا مش هنسى الورقة دي يا أمي ولو آخر حاجة هعملها في حياتي إني أعرف الحقيقة كلها

أمي قربت مني وهي بتعيط وقالت

— إنت مش فاهم أنا عملت كده ليه

— عشان الفلوس؟

هزت راسها

— عشان أحميك

ضحكت بمرارة

— تحميني من مين؟ من مراتي؟

سارة كانت واقفة ورايا بتترعش

وفجأة أمي قالت

— الاسم اللي على الورقة ده اسم مرات أبوك

اتصدمت

— مرات أبويا؟

— أيوه يا أحمد

وبدأت تحكي الحقيقة اللي خبتها سنين

قبل وفاة أبويا كان داخل في شراكة مع راجل أعمال في القاهرة وخسر مبلغ كبير وبعد وفاته ظهرت ديون وأوراق قديمة تهدد إن البيت يتسحب مننا

لكن أبويا كان سايب مستند يثبت إن جزء كبير من الفلوس اتسرق منه

وأمي كانت بتحاول تلاقي المستند ده

وفي وسط الفوضى اكتشفت إن مرات أبويا كانت بتخبي المستند عندها

عشان كده بدأت تبيع حاجات من البيت وتطلب فلوس مني وتستغل التحويلات اللي ببعتها

لكن كان لسه فيه جزء من الحقيقة أمي مخبياه

بصيتلها وقلت

— طب سارة ذنبها إيه؟

أمي نزلت عينيها وقالت

— مكنش ذنبها حاجة

— أمال ليه عملتوا فيها كده؟

سكتت

منى انهارت في العياط وقالت

— عشان سارة شافت الورق بالصدفة

بصيتلها

— شافت إيه؟

— شافت إن الفلوس اللي إنت بتبعتها مش كلها كانت بتروح للبيت

— كانت بتروح لمين؟

منى سكتت

قلت بصوت أعلى

— كانت بتروح لمين؟

وفجأة سارة قالت

— لعمك

اتجمدت

— عمي؟

هزت راسها

— أيوه

— بس عمي مات من سنين

سارة قالت

— مش عمك اللي في البلد

وسكتت لحظة

— أخو أبوك التاني

الاسم ده وقع عليا زي الصاعقة

أنا أصلًا كنت فاكر إن أبويا ملوش غير أخ واحد

أمي انهارت وقالت

— أبوك كان مخبي عنك حاجات كتير

في اللحظة دي فهمت إن الأربع سنين اللي فاتوا كانوا مبنيين على كذبة فوق كذبة

لكن كان فيه سؤال واحد أهم من كل ده

بصيت لسارة وقلت

— وإنتي ليه بعتي شعرك؟

سارة بدأت تعيط وقالت

— عشان كنت محتاجة أعمل التحاليل ومكنش معايا فلوس

— بس التحاليل مش تحاليلك

قالت

— أنا كنت فاكرة إنها تحاليلي في الأول

وبعدين الدكتور اكتشف الغلط

— طب إنتي كنتي مريضة بإيه؟

سكتت

وأخدت نفس طويل

— أنا كنت تعبانة من الأنيميا والإجهاد بسبب سوء التغذية والضغط اللي كنت عايشة فيه

قربت منها وأنا حاسس بالذنب بيقتلني

— ليه ماقولتيليش؟

ابتسمت وسط دموعها

— كل مرة كنت بحاول أقولك كانت أمك تقوللي إنك في مهمة وممنوع تتشتت

نزلت عيني

أنا كنت ببعت فلوس عشان أحميها

وهي كانت بتعيش أسوأ أيام حياتها

في اليوم اللي بعده أخدت سارة وروحنا مستشفى محترمة وعملت كل الفحوصات من جديد

والدكتور طمنا إن مفيش ورم وإن التقارير القديمة تخص مريضة تانية فعلًا

أما أمي ومنى فواجهناهم بكل الأوراق والتحويلات

واكتشفنا إن جزء كبير من الفلوس اتصرف في ديون قديمة وصفقات فاشلة وأقساط وحاجات ملهاش علاقة بالبيت

والفيلا اللي كنت فاكر إنها دليل على إن تعبي راح في مكانه كانت أصلًا متسجلة باسم أمي بعد ما خلت سارة تمضي على أوراق من غير ما تفهمها

لغيت البيع فورًا وبدأت الإجراءات القانونية لاسترداد حقوقي وحقوق سارة

لكن أكتر حاجة وجعتني ماكنتش الفلوس

كانت اللحظة اللي رجعت فيها البيت بعد أسابيع

لقيت سارة قاعدة في البلكونة وشعرها بدأ يطلع من جديد

قعدت جنبها وقلت

— سامحيني

بصتلي وقالت

— على إيه؟

— على كل مرة صدقت فيها كلام غيرك أكتر من كلامك

ابتسمت وقالت

— المهم إنك صدقتني في الآخر

مسكت إيدها وقلت

— من النهارده محدش هيتحكم في حياتنا غيرنا

بعدها بكام شهر نقلنا من البيت وبدأنا حياتنا من جديد في بيت صغير في القاهرة

وأمي؟

فضلت فترة كبيرة بعيدة عني لحد ما بدأت تبعتلي رسائل تعتذر فيها

أنا سامحتها عشان دي أمي

لكن الثقة اللي اتكسرت ما رجعتش زي الأول

أما منى فاعترفت بكل حاجة وبدأت تساعد في تسوية اللي اتعمل

وفي يوم كنت قاعد مع سارة على البلكونة وهي بتضحك لأول مرة من سنين

بصيتلها وقلت

— فاكرة أول يوم رجعت فيه؟

ضحكت وقالت

— أنساه إزاي؟

قلت

— أنا يومها كنت فاكر إني راجع مصر ومعايا أربعمية ألف يورو

ضحكت وقالت

— وطلعت راجع ومعاك أغلى حاجة

بصيتلها

— إيه؟

قالت

— الحقيقة

وسكتنا شوية

لأننا الاتنين عرفنا إن الفلوس اللي خسرتها ممكن تتعوض

والبيت ممكن يتباع ويتبني غيره

لكن السنين اللي ضاعت من عمرها مش هترجع

ومن يومها قررت إن مهما كانت المهمة اللي هاخدها ومهما كان المكان اللي هسافر له

مفيش حاجة في الدنيا هتخليني أبعد عن مراتي وأسيب حد تاني يدير حياتنا مكاني

وسارة؟

ما رجعتش بس لشعرها

رجعت لنفسها

ودي كانت أكتر حاجة كنت أتمنى أشوفها من أول يوم رجعت فيه من المهمة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى