روايات وقص

د الساعه بقت سبعه الصبح

“يدك دى متمسنيش تانى.. وشكلك؟ شكلك قدام الناس امبارح وأنت بتهينى وبتصغرنى قدام أمك وأختك مكنش هامك؟ لما قلت لى بلاش تقولي جوزى المستقبلى، أنا نفذت طلبك بحذافيره. إنت مش جوزى المستقبلى، ولا حتى هتبقى ماضيا.. إنت مجرد حادثة طريق وفوقت منها.”

سيبته واقف فى وسط الأوضة زى التمثال، وخرجت رحت على الصالون الكبير. بعد ربع ساعة، نزل ورايا، كان لبس قميص وبنطلون بسرعة، وشعره منكوش، وعينيه حمرا من الصدمة. لسه هيتكلم، الباب خبط.

فتحت الشغالة، ودخل تلات رجالة ببدل سودا، باين عليهم الهيبة الشديدة. ده كان المستشار القانونى لعيلتنا، ومعه اتنين من المحامين الكبار فى مكتبه.

“أهلاً يا متر.. اتفضل.” قلتها وأنا بشاور لهم يقعدوا.

المستشار القانونى بص لشريف بنظرة شفقة وقال:

“أستاذ شريف علام.. إحنا جايين بصفتنا الوكلاء القانونيين لسيادة المستشار عادل الألفى، والآنسة نادين الألفى. اتفضل، ده إخطار رسمى بفسخ خطوبتك من الآنسة نادين، وده كشف حساب بكل المبالغ اللى اندفعت من حسابها الشخصى وحساب والدها لتمويل شركتك (تكنو-تورز) كقرض حسن ومساعدات لتسوية ديونك السابقة.”

شريف صوته طلع مخنوق:

“قرض حسن؟ إحنا كنا بنأسس بيت! إحنا داخلين على جواز!”

المحامى المساعد طلع ورقة تانية وحطها على التربيزة:

“وده الشيك اللى حضرتك مضيته لوالد الآنسة نادين كضمان للقرض، الشيك قيمته 15 مليون جنيه، وتاريخ استحقاقه كان امبارح. وبما إن الحساب بتاع شركتك مفيش فيه حتى ربع المبلغ ده، فالشيك حالياً واخد رفض من البنك، وإحنا رفعنا جنحة مباشرة بموجب الرفض ده.”

شريف رجع خطوتين لورا، سقف طموحاته كله انهار فوق دماغه فى ثانية واحدة. بص لى وعينيه فيها رجاء مرعب، الرجاء اللى بتشوفه فى عينين الصياد لما يقع فى شبكته:

“نادين.. إنتى بتعملى إيه؟ عشان كلمة قلتها وهزار على التربيزة تخربى كل حاجة؟ أنا بحبك، إنتى عارفة الظروف اللى مريت بيها، وعارفة إن شركتى كانت هتقع!”

“وكانت هتقع لولا فلوس أبويا واسم عيلتى!” صرخت فيه والدموع أخيراً لمعت فى عينى بس مش دموع ضعف، دي دموع قهر بنظف بيها نفسى من قرفه: “إنت محبتنيش يا شريف، إنت حبيت الكارت الذهبى اللى بتمشي بيه فى وسط مجتمعك الجديد. حبيت الوجاهة الاجتماعية اللى نادين الألفى ادهتهالك. لما أمك وأختك يقعدوا على تربيزتى فى الزمالك، وياكلوا ويشربوا بفلوسى، وفى الآخر يتنططوا عليا ويقولوا لى (إنتى لسه بتدخلى عيلتنا)، يبقى إنت وعيلتك لازم تتجروا من على الأرض وترجعوا لمكانكم الطبيعى.”

شريف حاول يقرب:

“أنا هخليهم يتأسفوا لِك! حالا هكلم أمى وفريدة يجوا لحد هنا ويبوسوا إيدك!”

ضحكت بسخرية:

“لأ، متتعبش نفسك، هما زمانهم دلوقتى بيعرفوا الحقيقة بطريقتهم.”

فى نفس اللحظة دي، فى شقة طنط رجاء فى مصر الجديدة، الشقة اللى كانت شريف لسه مأجرها لهم فى مكان واسع عشان “المنظر العام”، الباب كان بيخبط بعنف.

فريدة فتحت الباب وهى لسه بلبس البيت والماسك على وشها:

“أفندم؟ مين حضرتك؟”

راجل لابس بدلة رسمية ومعاه اتنين أمناء شرطة:

“معايا أمر تنفيذ طرد وإخلاء للشقة دي، بناءً على طلب مالك العقار الأصلي، وبموجب فسخ عقد الإيجار اللى كان مدفوع من شركة الألفى للمقاولات.”

طنط رجاء طلعت تجرى من المطبخ وهى بتصرخ:

“طرد إيه يا فندم؟ إنت مش عارف إحنا مين؟ إحنا عيلة شريف علام، اللى هيتجوز بنت عادل الألفى الأسبوع الجاى!”

المحضر بص لها ببرود شديد وحدف الورقة على السفرة:

“يا فندم الأسبوع الجاى ده بعيد أوى، قدامكم بالظبط ساعتين تلموا حاجتكم، لأن الشقة دى اتباعت الصبح، والمالك الجديد جاى يستلم. اتفضلوا من غير شوشرة عشان متتحولش لقضية مقاومة سلطات.”

فريدة قعدت على الأرض تصرخ وتلطم على وشها، الشياكة و”الإيجيبشن كلاس” والتعالى اللى عاشوا فيه لمدة ست شهور على قفا نادين، اتمسح فى لحظة. طنط رجاء مسكت الموبايل وإيدها بترتعش، وطلبت شريف.

فى صالون جاردن سيتى، موبايل شريف رن. بص على الشاشة لقى اسم “أمي”. رد بسرعة وصوته مرعوب:

“أيوة يا أمى؟”

صوت طنط رجاء جاى من السماعة وصراخها مالي المكان، لدرجة إن المحاميين سمعوا:

“الحقنى يا شريف! طردونا من الشقة! البوليس هنا والمحضرين بيرموا حاجتنا فى الشارع! كلم نادين! كلم حماك خليه يتصرف!”

شريف نزل الموبايل من على ودنه ببطء، وبص لى كأنه شايف شبح. أنا كنت واقفة، حاطة إيد فى جيب الروب، والإيد التانية ماسكة كاس القهوة اللى برد تماماً.

“نادين.. أرجوكى.. بلاش أمى وأختى.. هما مالهمش ذنب.” شريف قالها وهو بينزل على ركبه قدامى. الراجل اللي كان من كام ساعة بيفرد ضهره فى المطعم وبيتمنظر ببروده، دلوقتى راكع على السجادة بيتمسح فى جزمتى.

“مالهمش ذنب؟” نزلت لمستواه وبصيت فى عينيه مباشرة: “لما أختك تبتسم شماتة فيا، وأمك تقولى (الرجالة بتحب تاخد نفسها بلاش تخنقيهم)، كانوا عارفين كويس إنهم بياكلوا من خيرى. ذنبهم إنهم ربوا واحد زيك، افتكر إن بنات الناس لعبة. شريف.. الشنط بتاعتك بره فى اليبهو، اخرج من بيتى، ومن حياتى.”

المستشار القانونى وقف وقال بصوت جهورى:

“أستاذ شريف، معاك 24 ساعة لتسوية الشيك، وإلا أمر الضبط والإحضار هيتنفذ فوراً. اتفضل معانا بره القصر.”

شريف قام وهو بيترعش، باصص للأرض، كرامته اللى حاول يبعها لى امبارح، رجعت له متبهدلة ومفرومة تحت الرجلين. خرج من الباب، وضهره منحنى، وكل خطوة بيمشيها كانت بتبعده عن عالم الأحلام اللى سرقه، وترجعه للقاع اللى جه منه.

لما الباب قفل وراه، تنهدت تنهيدة طويلة. حسيت كأن جبل انزاح من على صDraft صدرى. المستشار القانونى بص لى وابتسم باحترام:

“برافو يا نادين هانم.. طلعتى شبه سيات المستشار عادل الله يرحمه.. مابترحمي أى حد يدوس لِك على طرف.”

“شكراً يا متر.. لولا وقفتكم معايا الصبح بدري مكنتش هعرف أرد القلم ده بالسرعة دى.”

المحامين مشيوا، والبيت رجع هادى تانى. دخلت أوضتى، وبصيت للخاتم الألماظ اللى فى صباعى. قلعته بالراحة، وحطيته فى علبة قطيفة سودا. ده الخاتم اللى أنا دفعته تمنه من فلوسى.. ملوش عازة دلوقتى.

فتحت اللاب توب تانى عشان أتأكد إن كل حاجة تمام، ولقيت رسالة مبعوتة على إيميلى الشخصى من جهة مجهولة.

فتحت الرسالة.. مكنش فيها كلام كتير، كان فيها لينك لفيديو، وتحته جملة واحدة مكتوبة بالخط العريض:

“شريف علام مكنش بس بيستغلك مادياً.. شريف كان بيبيع أسرار مناقصات شركة والدك المنافسة لشركات بره مصر.. واللى حصل الصبح ده مجرد قشرة من الكارثة اللى هو مرتبهالك.”

قلبى دق بسرعة جنونية. فتحت الفيديو.. ولقيت تسجيل كاميرا مراقبة فى فندق شهير، شريف قاعد مع واحد وشهم مش باين أوى، وبيسلمه فلاشة سودا وهو بيقول: “دي كل داتا العملاء والأسعار بتاعة عيلة الألفى.. الأسبوع الجاى هبقى جوزها وكل حاجة هتبقى تحت إيدى رسمى.”

الفيديو اتنقل فجأة لصورة تانية.. صورة حية بتعرض اللى بيحصل “دلوقتى” حالا. شريف وهو خارج من بوابة قصرى فى جاردن سيتى، وفى عربية سودا مفيهاش نمر واقفة مستنياه على أول الشارع، نزل منها راجل ضخم، مسكه من قفاه وحطه جوه العربية بالقوة وقفل الباب، والعربية طارت بأقصى سرعة!

تلفونى رن فى إيدى فجأة، برقم مخفى..

رديت وأنا نفسى مقطوع وصوتى بيرتعش:

“ألو؟ مين معايا؟”

جالى صوت راجل، هادى جداً، وفيه نبرة سخرية غامضة، نفس النبرة اللى خلت شعر جسمى يقف:

“مساء الخير يا نادين هانم.. إنتى فكرتى إنك أخدتى حقك لما مسحتى الفرح وطردتيه؟ لأ.. شريف علام مديون لناس تانية خالص بفلوس وأسرار متتخيلهاش.. واللى إنتى عملتيه الصبح، بوظ لنا خطة بقالنا سنة بنرتب لها عشان نوقعه. شريف دلوقتى معانا.. والدور الجاى.. هيبقى عليكى وعلى اللى باقى من اسم عيلتك لو مصلحتنيش عن الخسارة اللى سببتيها لنا الصبح!”

الخط قطع.. والنور فى الأوضة فجأة اتطفى، وسمعت صوت خطى رجلين تقيلة بتتحرك فى الصالة بره.. خطى رجلين مش بتاعة الشغالين!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى