روايات وقص

س مريم

قال

“أيوه”

قلت بعصبية

“وأنا؟ أنا كنت فين من كل ده؟”

نور قربت مني وقالت

“إنتي كنتي أهم شخص في حياته”

ضحكت بمرارة

“أهم شخص؟ وهو مخبي عني بنت وفلوس وعقارات؟”

قالت

“هو ماكانش بيخبيهم عشان يضرك”

“كان بيحاول يحميكي”

بصيت لها باستغراب

فطلعت من شنطتها ملف كبير وحطته قدامي

وقالت

“أبويا اكتشف قبل موته إن شريكه القديم كان بيحاول يستولى على أملاكه كلها”

فتحت الملف

ولقيت عقود وتحويلات وأوراق ملكية

وبين الورق كان فيه مستند باسم الشريك

قلت

“مين ده؟”

نور قالت

“كمال”

حسام اتدخل وقال

“كمال مين؟”

نور بصتله وقالت

“كمال صاحب الشركة اللي كان بيتعامل مع أبويا”

وفجأة فهمت حاجة

قلت

“يعني محمود كان خايف على ممتلكاته؟”

قالت

“كان خايف عليكي وعلى مريم كمان”

وقتها دموعي نزلت

“طب وليه كتب العقار باسْمك؟”

نور قالت

“عشان لو حصل له حاجة ماحدش يقدر ياخده”

سكتت لحظة وبعدين كملت

“لكن الحقيقة إن أبويا ماكانش عايز العقار يبقى ليا لوحدي”

طلعت ورقة تانية

“كان كاتب إن نص العقار ليا والنص التاني ليكي”

فضلت باصة للورقة مش مصدقة

الصيدلية اللي قضيت فيها تلاتين سنة

المكان اللي كنت فاكرة إني مجرد موظفة فيه

طلع جزء منه ملكي من ست سنين وأنا ماعرفتش

قلت

“طب ليه ماقالليش؟”

نور ابتسمت بحزن

“عشان كان عارف إنك هترفضي”

ضحكت وسط دموعي

“طبعًا كنت هرفض”

قالت

“وعشان كمان كان عايزك تعيشي من غير ما تخافي من حد”

وبعدين مدتلي ظرف صغير

وقالت

“ده ليكي”

فتحت الظرف

وكانت رسالة بخط محمود

إيدي كانت بتترعش وأنا بقرأ

“سهام

لو إنتي بتقري الرسالة دي يبقى أنا مش موجود

أنا عارف إني خبيت عنك حاجات كتير وهتزعلي مني

بس عمري ما خبيت عنك عشان أوجعك

أنا خبيت عشان أحميكي

نور بنتي وأنا غلطت في حقها سنين

وكنت ناوي أصلح الغلط ده

لكن أهم حاجة كنت عايز أضمنها إنك ما تعيشيش بعدي محتاجة لحد

إنتي طول عمرك بتدي من غير ما تطلبي

وأنا عارف إنك هتكملي تدي حتى لو مفيش حد يستاهل

عشان كده كتبتلك نص كل حاجة

مش صدقة

ومش تعويض

ده حقك

حق السنين اللي وقفتي فيها جنبي

ولو نور وصلتلك يومًا ما

اعتبريها بنت من بناتك

ومتخليش أخطائي تفرق بينكم”

وقفت عن القراءة

ومسحت دموعي

بصيت لنور

ولقيتها بتعيط هي كمان

قربت منها

ومسكت إيدها

وقلت

“أنا مش عارفة أكون أم ليكي”

ضحكت وسط دموعها وقالت

“ولا أنا عايزة أم جديدة”

سكتنا لحظة

وبعدين قالت

“أنا بس كنت عايزة أعرف إن أبويا كان بيحبني”

حضنتها

وفي اللحظة دي حسيت إن كل الغضب اللي جوايا اختفى

مش عشان محمود ما غلطش

لأ

هو غلط

وغلط كتير

لكن الموت كان أخد فرصته في الاعتذار

وإحنا لسه عندنا فرصة نصلح اللي اتكسر

رجعت لمصر بعد يومين

وأول حاجة عملتها إني روحت الصيدلية

وقفت قدام الباب وبصيت للمكان اللي قضيت فيه تلاتين سنة من عمري

مدام نادية كانت مستنياني

أول ما شافتني حضنتني وقالت

“أخيرًا عرفتي”

قلت لها

“إنتي كنتي عارفة؟”

قالت

“محمود كان موصيني لو حصل له حاجة ماقولكيش غير لما ييجي فؤاد”

ضحكت وقلت

“يعني كلكم كنتوا متفقين عليا؟”

ضحكنا

وبعدها بأسبوع نقلت ملكية العقار رسميًا

وأصريت إن نور تاخد نصها كامل

لكن المفاجأة إن نور قالتلي

“أنا مش محتاجة الفلوس كلها”

قلت

“دي ملكك”

قالت

“عارفة”

وبعدين ابتسمت

“بس أنا محتاجة حاجة تانية”

سألتها

“إيه؟”

قالت

“عايزة أكون جزء من حياتك”

بصيت لها وقلت

“وأنا كمان”

ومن يومها علاقتنا اتغيرت

نور بقت تزورني كل أسبوع

ومريم في الأول كانت متضايقة ومش فاهمة ليه كل الأسرار دي ظهرت فجأة

لكن مع الوقت اتقربت من نور

وحسام كان أكتر واحد بيحاول يهدي الدنيا بينا

أما أنا

فقررت أتعلم حاجة جديدة

إني أقول لأ

مش كل مرة مريم تطلب مني أخد بالي من العيال أوافق

مش كل مرة حد يقوللي

“إنتي فاضية”

أرد

“أيوه”

بقيت أقول

“لأ أنا عندي حياتي”

وفي الصيف اللي بعده مريم اقترحت نسافر كلنا المصيف تاني

ضحكت وقلت

“ممكن”

بصتلي وقالت

“بس بشرط؟”

قلت

“أيوه”

قالت

“العيال معاكي؟”

ضحكت وقلت

“لأ”

“العيال معاكي أنا وحسام”

“وإنتي يا ماما هتعملي إيه؟”

بصيت للبحر وابتسمت

“أنا هرتاح”

وبالفعل سافرت معاهم

لكن المرة دي كان كل واحد مسؤول عن ولاده

وأنا قعدت على الشاطئ لوحدي

فتحت الكتاب اللي ماقدرتش أقرأه في الرحلة الأولى

وحطيت القبعة البيج على راسي

وقعدت أسمع صوت البحر

وبعد شوية جت نور وقعدت جنبي

قالت

“ممكن أقعد؟”

ابتسمت

“دي ترابيزتك يا بنتي”

بصتلي وقالت

“إنتي عارفة إن أبويا كان عنده حق في حاجة؟”

سألتها

“إيه؟”

قالت

“كان بيقول إنك أكتر واحدة بتدي للناس من غير ما تطلبي حاجة”

ضحكت وقلت

“أبوك كان عارفني كويس”

وبعدين بصيت ناحية مريم وحسام والعيال

لقيتهم بيجروا ورا بعض على الشاطئ

وقلت

“بس خلاص”

نور سألتني

“خلاص إيه؟”

قلت وأنا بضحك

“من النهارده اللي عايزني في حياته يحبني أنا كمان مش بس يحب اللي بقدمه”

وساعتها فهمت إن الرحلة اللي بدأت بكلمة “إنتي تستاهلي ترتاحي” كانت فعلًا أول مرة في حياتي أتعلم فيها معنى الراحة

مش راحة الجسم بس

راحة القلب كمان

وعرفت إن أحيانًا أكبر هدية ممكن تديها لنفسك مش فلوس ولا سفر ولا حتى بيت جديد

أكبر هدية إنك تعرف قيمتك

وتبطل تسمح لأي حد يحول حبك وطيبتك لواجب مفروض عليك

ومن يومها بقيت كل ما حد يسألني

“إنتي فاضية؟”

أبتسم وأقول

“لأ”

حتى لو كنت فعلًا فاضية

لأني أخيرًا فهمت إن وقتي وحياتي وراحتي مش حاجة الناس تاخدها لمجرد إني أم أو جدة

وأنا كمان

من حقي أعيش.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى