
لم تفهم كيف يستطيع شخص أن يجرح إنسانًا بهذه الطريقة في يوم يفترض أن يكون سعيدًا.
لكن محمد لم يسمح للكلام أن يمر.
أمسك يد سندس وقال ببرود:
“وأسيب بنات الدنيا كلها عشانها، مش بنتك بس. نورتي.”
نظرت إليه سندس بدهشة.
لأول مرة منذ فترة طويلة شعرت أن هناك شخصًا يقف بجانبها دون أن يطلب منها شيئًا في المقابل.
بعدها استأذن محمد من والدها، وخرج معها.
ركبا السيارة، وظلت سندس صامتة.
لاحظ محمد توترها، فأمسك يدها وقال:
“عارف إنك لسه مجروحة، ولسه مش واثقة، ولسه خايفة. بس أنا مش عايزك تخافي تاني.”
نظرت له باستغراب:
“إنت حاسس بيا إزاي؟”
ابتسم وقال:
“حقك تخافي، بس مش وإنتِ معايا. إنتِ معايا في أمان.”
الكلمات لم تكن مجرد كلام بالنسبة لها.
لأول مرة شعرت أن هناك شخصًا يحاول فهم خوفها بدلًا من لومها عليه.
قال محمد:
“إيه رأيك نتمشى على النيل شوية؟”
ترددت، ثم وافقت.
كان محمد مليئًا بالحيوية والضحك، بينما كانت سندس قد فقدت جزءًا كبيرًا من روحها بعد تجربتها السابقة.
وأثناء سيرهما قال:
“خليكي ثواني، هجيب لك حمص الشام.”
ذهب وتركها تنتظره.
وبعد دقائق، اقتربت منها مجموعة من الفتيات وبدأن يهنئنها بمناسبة زواجها.
ابتسمت سندس لأول مرة من قلبها.
شعرت أن الناس ما زالت قادرة على منحها لحظات جميلة، وأن الحياة لم تتوقف عند تجربتها السابقة.
عاد محمد وهو يحمل كوبين، ومد لها واحدًا وقال:
“كنت واثق إن ضحكتك حلوة.”
ضحكت بخجل.
ومن يومها بدأت الأمور تتغير.
مرت الأيام سريعًا، وتحولت الشهور الأربعة التي طلبها محمد إلى أجمل فترة عاشتها سندس منذ سنوات.
لم يعد خوفها يتحكم فيها.
بدأت تستعيد شخصيتها القديمة.
ضحكت أكثر.
خرجت أكثر.
وأصبحت تتحدث عن أحلامها من جديد.
كان محمد صبورًا معها، ولم يحاول إجبارها على نسيان الماضي في يوم وليلة.
كان يعرف أن الثقة تُبنى بالتدريج.
وفي نهاية الأشهر الأربعة، جلس محمد أمامها وسألها بصوت متوتر:
“فاكرة وعدك؟ قلت لك أربع شهور، ولو ما حبيتنيش هنفترق. عايز أعرف دلوقتي… عايزاني ولا لأ؟”
نظرت سندس إليه للحظات، ثم ابتسمت وقالت:
“مش عايزة غيرك يا محمد.”
لمعت عيناه من الفرحة، وضَمّها وهو يضحك من قلبه.
قالت وهي تحاول منع دموعها:
“إنت صبرت عليا واستحملت خوفي وترددي، وطمنتني لحد ما كسبت قلبي. شكرًا عشان صبرت عليا.”
ابتسم محمد وأشار إلى قلبها:
“كان لازم أصبر عشان أكسب ده.”
ثم نظر إليها وقال:
“وكسبتك إنتِ كمان.”
وقتها فهمت سندس أن الزواج الثاني لم يكن بالضرورة تكرارًا للتجربة الأولى.
أحيانًا لا يكون الإنسان هو المشكلة، وإنما يكون الاختيار الأول هو الخطأ.
وأحيانًا يأتي الشخص المناسب بعد أن نظن أن قلوبنا لم تعد قادرة على منح فرصة جديدة.
سندس لم تكن بحاجة إلى شخص يطلب منها أن تنسى الماضي، بل كانت بحاجة إلى شخص يساعدها على بناء حاضر مختلف.
ومحمد لم يرَ فيها امرأة مطلقة كما كانت والدته تراها، بل رأى إنسانة أحبها، واحترمها، وقرر أن يبدأ معها حياة جديدة.
**وهكذا، تحولت الأشهر الأربعة التي بدأت كاختبار إلى بداية قصة حب حقيقية، وأثبتت سندس لنفسها قبل أي شخص آخر أن تجربة واحدة مؤلمة لا تعني أن كل القادم سيكون مؤلمًا.**




