
الساعة تلاتة الفجر.
صرخة قطعت سكون القصر. مازن.
إيمان قامت مفزوعة من النوم، جريت على أوضة الولاد. لقيت أم فتحي خارجة من الأوضة شايلة ليان اللي صحيت مخضوضة، وقالت لها: “مازن جري على أوضة سالم بيه يا بنتي، بيقول بيشوف كوابيس. سيبيه، سالم بيه هيعرف يسكته.”
إيمان جريت على الطرقة. باب أوضة سالم كان موارب.
فتحت الباب بالراحة. المشهد خلاها تتسمر.
مازن لابس بيجامة سبايدرمان، حاشر نفسه في حضن سالم اللي قاعد على طرف السرير، وبيترعش. سالم صاحي، لابس بنطلون بيجامة وتيشيرت، وحاضن الولد بإيد واحدة، والإيد التانية بتطبطب على ضهره.
مازن بيهمس وهو بيشهق: “النار… ماما كانت بتصرخ… خايف يا عمو.”
سالم اتخشب. كلمة “عمو” رنت في ودانه، بس وجعته أكتر من “عمو بابا”. بص للولد، وبعدين للباب، شاف إيمان واقفة.
عينيهم اتقابلت في الضلمة. هو متلخبط، ومش عارف يحضن الولد أكتر ولا يزقه عشان ميضعفش. وهي واقفة على الباب، قلبها بيدق، وحاسة إن الصخرة اللي اسمها سالم الزيني… بدأت تلين.
مازن نام تاني في حضن سالم. وليان جت من ورا إيمان، مسكت في جلابيتها، وهمست: “ماما إيمان، عايزة أقعد زي مازن.”
إيمان بلعت الغصة اللي في زورها، ودخلت شالت ليان، وقالت لسالم بصوت واطي: “خليه الليلة دي. محتاجلك.”
سالم هز راسه من غير كلام.
قفلت الباب بالراحة، ووقفت ساندة ضهرها عليه. حطت إيدها على قلبها، وقالت لنفسها: “يا رب… إحنا هندخل في حيطه ولا في بعض؟”
جوه، سالم باصص لسقف الأوضة، ومازن نايم على صدره. أول مرة من سنين يحس إن فيه حد محتاجه… مش عشان فلوس ولا شركات. محتاجه عشان هو بس “عمو”.
… يتبع
—
الفصل الثالث –
مكتب سالم في الدور الأرضي من القصر، أوضة خشب غامق، ريحة سيجار قديم وورق. الباب مقفول بالمفتاح دايماً، ومحدش بيقرب منه غير عادل المنشاوي.
النهاردة الباب كان موارب. سالم نسيه مفتوح من بالليل وهو سهران على ملفات شركة الشحن. إيمان واقفة مترددة، وفي إيدها لاب توب. خبطت خبطتين.
سالم رافع حاجبه من فوق الملفات: “عايزة إيه؟ قولت المكتب ممنوع.”
إيمان دخلت خطوة، وحطت اللاب قدامه: “لقيت فايل الأرباح مرمي على ترابيزة الصالون امبارح وشدني. شركة الشحن بتاعتك بتخسر بقالها 6 شهور. قعدت أراجع الأرقام امبارح بعد ما الولاد ناموا. الخطأ في التسويق… كله ورقي وعقود قديمة. السوق دلوقتي ديجيتال، والتيك توك والإنستجرام بيجيبوا عملاء أكتر من 10 مناديب.”
سالم ضحك ضحكة قصيرة من غير نفس: “ما شاء الله. خريجة لندن جاية تعلمني البيزنس؟ روحي شوفي مازن غيري له البامبرز.”
إيمان سكتت، لمّت اللاب، وقالت وهي خارجة: “على العموم، الخطة كلها هنا. PPT وميزانية. لو فكرت فيها… ابقى قول لأم فتحي تعملي نسكافيه من غير سكر.”
سابته ومشيت. سالم بص للاب ثانية، وبعدين رماه في الدرج وقفله. بس آخر الليل، بعد ما القصر نام، طلعه تاني. فتحه، وفضل يقرا للفجر. قبل ما ينام بعت الخطة كلها من إيميله لمدير التسويق، وكتب سطر واحد: “نفذ من بكرة. ومحدش يعرف إنها فكرتي.”
—
بعد 3 أسابيع، في اجتماع مجلس الإدارة.
مدير المبيعات واقف مبهور: “سالم بيه، فرع الشحن حقق 30% زيادة الشهر ده. حملة السوشيال ميديا اللي حضرتك بعتها قلبت الدنيا، والتعاقدات الجديدة كلها شباب.”
كل اللي قاعدين بصوا لسالم بانبهار. هو هز راسه، وساكت. بس وهو مروح، عدى من قدام أوضة الولاد، لقى إيمان قاعدة على الأرض بتلون مع ليان.
وقف عند الباب ثانية، وقال من غير ما يبص لها: “النسكافيه بتاعك… بيبقى في المطبخ. من غير سكر.”
ومشي. إيمان ابتسمت غصب عنها. أول مرة يعترف إنها صح.
—
بعد أسبوع كمان، نص الليل، أوضة الولاد.
أم فتحي كانت عند بنتها في المستشفى، وإيمان قالت لها تبات هناك. صوت عياط مكتوم. سالم صحي على صوت مازن، لقى الولد عاملها على نفسه. أول مرة يغير لطفل في حياته. واقف متلخبط، البامبرز في إيد، والوايبس في الإيد التانية.
إيمان دخلت لقته متسمر، ضحكت وقالت: “بالراحة… ارفع رجله شوية. أيوه كده. شاطر يا سالم بيه.”
اتعلم. وبعدها بأسبوع، كان قاعد في نص السرير الكبير، مازن على رجله الشمال، وليان على اليمين، وبيحكي لهم حدوتة “الأسد اللي كان بيخاف يقرب من حد”.
ليان سرحت شعره بإيديها الصغيرة، وفجأة باست خده وقالت: “بحبك يا عمو سالم.”
سالم اتجمد. الحدوتة وقفت في زوره.
إيمان كانت واقفة عند الباب، ماسكة الموبايل وبتصور اللحظة. دمعة نزلت منها غصب عنها، ومسحتها بسرعة قبل ما ياخد باله.
—
تاني يوم الضهر، بوكيه ورد أحمر قد الشوال داخل القصر.
البواب دخل بيه مخصوص، والكارت مكتوب بخط عريض: “لأجمل بنت في القاهرة… خالد الأسيوطي.”
أم فتحي حطته في الصالة، وإيمان نازلة من على السلم شافته. وشها اتخطف. لسه هتتكلم، سالم نزل من مكتبه، شاف الورد، مد إيده خد الكارت وقراه بصوت عالي قاصد يسمّع البيت كله: “لأجمل بنت في القاهرة… خالد الأسيوطي.”
عينه راحت على إيمان. من غير كلمة، مسك الكارت وقطعه نصين، ورماه في الزبالة. بعدين طلع موبايله واتصل. الكل سمعه: “خالد… لو اسم مراتي جه على لسانك تاني، هخليك عبرة للقاهرة كلها. وردك خليه لفرحك.”
قفل السكة. بص لإيمان اللي واقفة مصدومة، وقال بصوت واطي بس كل كلمة سكينة: “إيه الدراما دي؟ إنتي على ذمتي!”
إيمان اتفاجئت من رد فعله، ردت بصوت واطي عشان الخدم: “على ذمتك على الورق بس! أنا مش مراتك بجد عشان…”
قرب منها خطوة، وقاطعها: “طول ما اسمك إيمان الزيني، مفيش راجل يبعتلك ورد. واللي هيحاول… هيندم. مفهوم؟”
سابها وطلع مكتبه، وقفل الباب بالرزعة. إيمان واقفة قلبها بيدق، ومش عارفة ده غضب ولا غيرة ولا إيه بالظبط. بس لأول مرة تحس إنه شايفها.
—
بعد المغرب، مصيبة.
صوت سعاد هانم جايب آخر القصر: “بقولك العقد كان في درج دليلة! والبنت دي آخر واحدة دخلت أوضتها قبل ما ننقل الحاجة!”
إيمان واقفة في نص أوضتها، وسعاد هانم بتفتح في الدواليب وبترمي الهدوم على الأرض. نهال واقفة على الباب بتمثل الصدمة: “يا طنط، حرام… يمكن إيمان متعرفش قيمته. ده ألماظ حر.”
إيمان عينيها فيها دموع بس رافعة راسها: “أنا مش حرامية. أنا مش محتاجة ألماظ.”
سعاد هانم مسكتها من دراعها: “أومال محتاجة إيه؟ جاية تاخدي جوز بنتي وفلوسها وعيالها؟”
الباب اتفتح بعنف. سالم واقف، وشه أحمر من الغضب. بص للمشهد… أمه بتهين مراته، ونهال بتبتسم من تحت لتحت.
زعق بصوت هز القصر: “إنتو بتعملوا إيه؟!”
سعاد هانم: “بندور على عقد دليلة الألماظ. والهانم مراتك هي الوحيدة اللي…”
سالم قطع كلامها، ولأول مرة يعلي صوته على أمه: “كفاية! أنا اللي دخلتها البيت ده. وكرامتها من كرامتي. اللي يهينها كأنه بيشتمني أنا. سامعة يا أمي؟”
سعاد هانم شهقت وحطت إيدها على قلبها: “بتزعق لأمك عشانها؟ بتفضل الغريبة عليا؟”…كملوها في الجزء الأخير
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




