
“يعني هتكون إيه غير أبوكي اللي مصمم يدبسني في البلاياتشو بنت عمي اللي اسمها سمر!”
ضحكت أميرة بشدة، خاصة أنها تعرف أن سمر تحب وضع الكثير من مستحضرات التجميل والظهور بأفضل صورة.
وبعد أن هدأت ضحكتها قالت:
“والله أنا مش عارفة، بابا لو عايز يضايقك مش هيعمل كده بجد.”
رد أدهم:
“قولي له يا أختي. أنا خلاص تعبت منه. غير بقى المصيبة التانية.”
سألته باهتمام:
“خير؟ إيه تاني؟”
“دينا… باباها عايز يجوزها لابن أخوه بعد ما تخلص الجامعة.”
اتسعت ابتسامة أميرة، وقالت بحماس قبل أن تتذكر مشاعر أخيها:
“إيه ده؟ بجد؟ مبروك! أخيرًا البنت دينا…”
لكنها لم تكمل جملتها، لأن أدهم قاطعها غاضبًا:
“مبروك إيه يا حيوانة؟ بقولك هتتجوز وأنا مش عارف أعمل إيه!”
تداركت أميرة نفسها وقالت:
“طب اهدى طيب. أكيد هتلاقي حل. إنت مفيش حاجة بتغلبك.”
تنهد أدهم:
“مفيش يا أميرة، مفيش. أنا بجد تعبت. حاسس إني مش قادر أتحمل كل ما أفكر إنها مش هتكون ليا وممكن ترتبط بحد غيري.”
تأثرت أميرة بنبرة أخيها الحزينة، وشعرت بحجم ما يحمله في داخله.
قالت له محاولة التخفيف عنه:
“معلش يا أدهم. كله هيعدي إن شاء الله، وهتتحل. وبكرة تقول البت ميرو قالت. أنا كلها يومين وأرجع، ونقعد نخطط أنا وإنت نتصرف إزاي في موضوع الارتباطين دول.”
ابتسم أدهم رغمًا عنه:
“ماشي يا ميرو. وأنا هستناكي. هقفل دلوقتي علشان عندي شغل، ولسه هروح أجيب عمي من المطار. سلميلي على خالتو كتير.”
“ماشي يا حبيبي. سلام.”
أغلقت أميرة الهاتف، وقامت لتغير ملابسها.
خرجت من الغرفة، فوجدت خالتها ماجدة في المطبخ تعد الإفطار.
اقتربت منها أميرة من الخلف، ثم قالت بصوت مرتفع:
“خالتي! مشفتيش أمجد؟”
انتفضت ماجدة من المفاجأة، ثم بدأت في توبيخها كعادتها:
“عمرك ما هتكبري أبدًا يا أميرة! أنا غلطانة إني بقولك تيجي تقعدي معايا.”
ضحكت أميرة:
“كل مرة بتقولي الكلام ده يا خالتو، وتقعدي تزعلي لما أمشي، وتبقي مش عايزاني أرجع.”
تنهدت ماجدة وقالت بحنان:
“أعمل إيه في قلبي اللي بيحبك وعايزك تفضلي قاعدة معايا على طول يا حبيبتي؟”
ابتسمت أميرة وقالت:
“أنا أقولك تعملي إيه. اعملي اتنين قهوة من إيدك الحلوة نشربهم أنا وإنتِ بعد الإفطار ونقعد في البلكونة قدام البحر. بس مقولتيش برضه أمجد فين؟”
أجابتها خالتها:
“هيكون فين يعني؟ حبيب أمه قاعد في البلكونة مستني الإفطار علشان ينزل شغله.”
“طب أنا هروح له، عقبال ما تخلصي.”
ذهبت أميرة إلى البلكونة، فوجدت شابًا في الثلاثين من عمره، ببشرة قمحية وعينين خضراوين وشعر أسود، يقف يتأمل البحر ويستنشق هواء الإسكندرية المنعش.
كان أمجد أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل أميرة تأتي دائمًا إلى خالتها.
فمنذ سنوات، خفق قلبها له وأحبته من أعماقها، ولم تتمنَ شخصًا سواه.
لكن حبها كان يبدو كحلم بعيد.
فأمجد لم يكن ينظر إليها بالطريقة نفسها.
كان قلبه متعلقًا بامرأة أخرى، زميلته في العمل، وكان دائمًا يتحدث مع أميرة عنها.
أما هي، فكانت تستمع إليه بابتسامة، بينما تخفي وجعًا لا يعرفه أحد.
وكان دائمًا يقول لها الجملة الأصعب:
“عارفة يا أميرة؟ إنتِ أختي اللي برتاح في الكلام معاها. وبحسد أدهم إن عنده أخت زيك. نفسي أوي أعرفك على مريم، هتحبيها زي ما أنا بحبها بالضبط.”
يا لها من كلمات مؤلمة!
هو يريد أن يعرفها على المرأة التي اختارها قلبه، بينما هي تحاول إخفاء حقيقة أنها هي الأخرى تحمل مشاعر تجاهه.
خرجت من شرودها على صوته:
“إيه يا عم السرحان؟ واقفة كده ليه؟ تعالي.”
ابتسمت وقالت:
“لا أبدًا، لسه صاحية على أدهم ومشاكله كعادته. وبيسلم عليك.”
ضحك أمجد:
“الله يسلمه. وحشني الواد ده أوي. بفكر لما تنزلي أجي معاكي أشوفه هو وخالتي.”
أضاءت عينا أميرة بسعادة:
“ياريت! دي ماما هتفرح أوي.”
قالتها بفرحة واضحة، لأنها كانت تتمنى أن يقضي معها وقتًا أطول.
وفجأة جاء صوت ماجدة من الداخل:
“يلا يا ولاد علشان تفطروا!”
استجاب الاثنان وجلسا إلى الإفطار، الذي لم يخلُ من مرح أميرة، ولا من نظراتها التي كانت تفضح مشاعرها تجاه أمجد.
وكانت خالتها تلاحظ تلك النظرات جيدًا، وتعرف منذ سنوات بحقيقة حبها لابنها.
لكنها لم تكن تعرف كيف تساعدها.
في الطائرة القادمة من لندن، كان يجلس شاب في التاسعة والعشرين من عمره.
لم يكن طويلًا ولا قصيرًا، وكانت عيناه زرقاوين وشعره أشقر وبشرته بيضاء، وهي صفات ورثها عن والدته الإنجليزية التي رحلت عن الدنيا عندما كان في الخامسة عشرة.
كان إياد يتمتع بروح مرحة، لكنه في الوقت نفسه صاحب شخصية قوية وصارمة عندما يتطلب الأمر.
كان الابن الأكبر لصلاح الشرقاوي، شقيق صالح التوأم، وقد تخرج في كلية إدارة الأعمال، وكان يتولى مسؤولية معظم أعمال والده.
بجواره كانت تجلس سمر، فتاة في الخامسة والعشرين، فائقة الجمال، ذات عينين خضراوين وشعر بني ناعم وبشرة بيضاء.
كانت خريجة حديثة من كلية الهندسة، تتمتع بالذكاء والجمال، لكن الغرور كان جزءًا واضحًا من شخصيتها.
كانت مدللة والدها، كما أنها كانت تحب أدهم بشدة وتتمنى الارتباط به.
قال إياد بسعادة:
“أخيرًا هنرجع مصر!”
نظرت إليه سمر بسخرية وقالت:
“يا ترى الفرحة دي كلها علشان هتشوف عمك، ولا علشان هتشوف حبيبة القلب؟”
كان إياد دائمًا ينزعج من طريقتها في الحديث، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمرأة التي أحبها.
قال بعصبية:
“قولتلك قبل كده يا سمر، متتكلميش عنها بالأسلوب ده. مفهوم؟”
رفعت كتفيها بلا مبالاة:




