
عودة الماضي في فيلا عائلة الشرقاوي، وتحديدًا في الابن الأكبر، كان أدهم يقف أمام المرآة بطوله الفارع وجسده الرياضي، يصفف شعره البني بعناية، ثم أغلق أزرار أكمام قميصه.
ورغم أنه مدير لإحدى أكبر شركات التجارة في مصر، فإنه لم يكن يحب التقيد بارتداء البدلات الرسمية، وكان دائمًا يردد أمام والده نفس الجملة:
“يا بابا يا حبيبي، أنا لسه شاب عندي 27 سنة، مش راجل كبير! هقيد نفسي بالبدل والكرافات ليه؟”
وبعد نقاش طويل كعادتهما، كان صالح يفشل في إقناع ابنه، ويتركه في النهاية يفعل ما يريد.
وبينما كان أدهم يستعد للمغادرة، سمع عدة طرقات على الباب.
طرق يعرفها جيدًا ويحفظها عن ظهر قلب.
ولمَ لا؟
فهي نفس الطرقات التي أسرت قلبه منذ سنوات، وجعلته يعيش أجمل وأصعب مشاعر الحب.
فتح الباب، فظهرت أمامه دينا.
كانت تتمتع بجمال هادئ وساحر. شعرها الأسود شديد السواد، والذي اعتادت أن تربطه دائمًا على هيئة ذيل حصان، وعيناها الزرقاوان بلون البحر، اللتان كان أدهم دائمًا يتساءل عن سر جمالهما.
أما وجنتاها فكانتا حمراوين بطبيعتهما، وكان يتعمد إحراجها أحيانًا فقط ليراها تزداد خجلًا وجمالًا.
خرج أدهم من شروده عندما سمع صوتها الذي يعشقه:
“القهوة يا سي أدهم.”
ابتسم تلقائيًا.
كان يحب تلك الجملة تحديدًا، ودائمًا ما يصر عليها أن تقولها بنفس الطريقة.
“شكرًا يا دينا. قوليلي، عاملة إيه في كليتك؟”
أجابته بنبرة يغلب عليها الحزن:
“الحمد لله يا سي أدهم.”
لاحظ فورًا تغير صوتها، كما لاحظ الحزن الواضح في عينيها.
اقترب منها وسألها باهتمام:
“مالك يا دينا؟ حد زعلك؟ في حاجة مضايقاكي في الكلية؟”
بدأت الدموع تتجمع في عينيها، وقالت بصوت منخفض:
“لا، أبدًا… بس بابا مصمم إنه بعد ما أخلص جامعتي أتجوز معتز ابن عمي، وأنا مش عايزة.”
توقف قليلًا ثم سألها:
“قام إيه؟ كملي.”
خفضت عينيها وقالت بصوت :
“اتعدى عليا.”
تغيرت ملامح أدهم في لحظة.
قبض على يده بقوة، وظهر الغضب في عينيه.
كيف يجرؤ والدها على معاملتها بهذه الطريقة؟
وكيف يسمح أحد لنفسه بأن يفرض عليها مستقبلًا لا تريده؟
الأصعب من ذلك كله أنه كان يعرف أن هناك شخصًا آخر يريد بها.
شعر بالاختناق لمجرد التفكير في أن دينا قد تصبح يومًا بعيدة عنه.
كان يحبها منذ سنوات، لكنه لم يستطع الاعتراف لوالده بحقيقة مشاعره.
فكيف سيخبره أنه يحب ابنة العاملة التي تعيش معهم؟
كان يعرف جيدًا أن الأمر لن يكون سهلًا.
لكنه لم يكن مستعدًا لخسارتها.
قال لها محاولًا تهدئتها:
“خلاص يا دينا، متعيطيش. طالما إنتِ مش موافقة، محدش يقدر يجبرك على حاجة. ولو على باباكي، أنا هتصرف معاه، ماشي؟”
رفعت عينيها إليه وسألته:
“بجد؟”
ابتسم وقال:
“طبعًا بجد. ممكن بقى تمسحي دموعك دي وتوريني ضحكتك الحلوة؟”
خجلت دينا كعادتها، ومسحت دموعها ثم ابتسمت وهي تتجنب النظر إلى عينيه.
“شكرًا يا سي أدهم. عن إذنك علشان أجهز وأروح كليتي.”
“ماشي يا دينا… واستني علشان أوصلك.”
“مفيش داعي…”
وقبل أن تكمل اعتراضها، قاطعها بنبرة أمر يغلب عليها الحنان:
“أنا قولت كلمة. يلا علشان متتأخريش.”
اضطرت دينا للموافقة، وذهبت لتستعد.
كانت في سنتها الأخيرة بكلية التجارة، وتحلم بالحصول على تقدير مرتفع مثل السنوات السابقة، لأنها كانت تتمنى أن تعمل في إحدى الشركات الكبرى، حتى تساعد والديها وتخفف عنهما أعباء العمل.
في الأسفل، كان صالح الشرقاوي يجلس مع زوجته سعاد.
صالح، رغم بلوغه الخامسة والخمسين، كان لا يزال يحتفظ بهيبته وقوته. رجل حازم، صاحب شخصية قوية، اعتاد الجميع على احترام قراراته.
أما سعاد، فكانت في السابعة والأربعين، لكنها بدت أصغر من عمرها، وكانت تتمتع بملامح جميلة وشخصية هادئة وحنونة، وتنتمي إلى عائلة اجتماعية معروفة.
بعد انتهاء الإفطار، قال صالح بنبرته الجادة:
“ابقي قولي لمحروس، ابنك، لما يخلص شغله يروح يجيب عمه وولاده من المطار. وبلاش ينسى ويكسفني قدامهم.”
ابتسمت سعاد وقالت:
“متقلقش يا صالح، هو فاكر ومأكد عليا بليل إنه هيروح في المعاد ويجيبهم.”
“لما أشوف.”
ثم أضاف:
“وياريت يعامل بنت عمه كويس. مش كل ما تيجي تكلمه كلمتين يصدها أو يكسفها.”
دافعت سعاد عن ابنها قائلة:
“على فكرة، أدهم بيعاملها كويس جدًا وذوق معاها في الكلام.”
رفع صالح حاجبه وقال:
“ذوق أوي! بدليل آخر مرة كانوا هنا، وقفت تتكلم معاه، راح عامل نفسه جاله تلفون وطلع فوق ومظهرش بعدها.”
ضحكت سعاد وقالت:
“والله يا حاج كان معاه تلفون شغل.”
وقبل أن يكمل صالح كلامه، ظهر أدهم وهو ينزل الدرج، بعدما سمع آخر جملة.
اقترب من والده، وقبل يده، ثم قال بروحه المرحة:
“صباح الفل يا حاج. يعني إنت يوم ما تحب تخلص مني تلبسني في البلاياتشو اللي اسمها سمر؟ بذمتك يا ماما، أنا هصرف على مكياجها منين؟”
حاولت سعاد كتم ضحكتها حتى لا يغضب زوجها، وقالت بجدية مصطنعة:
“احترم نفسك يا أدهم واتكلم عن بنت عمك كويس. سمر بنت كويسة، وبنت عمك، وبتحبك، وجميلة ومتعلمة. عايز إيه أكتر من كده؟”
رد أدهم بهدوء:
“عايز أتجوز واحدة بحبها يا ماما، وأكون أنا اللي مختارها. مش مفروض عليا أتجوزها لمجرد إنها بنت عمي.”
تغير وجه صالح، وقال بغضب:
“يعني حضرتك يا أستاذ عايز تفضل عايش من غير مسؤولية وتجيب واحدة من بره العيلة تتجوزها؟”
“أكيد لا يا بابا. بس على الأقل أكون مرتاح معاها، وفي حياتي وكلامي معاها، ومش أحس في لحظة إنها مفروضة عليا.”
ضرب صالح يده على الطاولة وقال بحزم:
“بقولك إيه؟ هعتبر نفسي مسمعتش الكلام ده. واتفضل روح على شغلك، ومتنساش معاد الطيارة.”
“حاضر يا بابا.”
قالها أدهم بغضب مكتوم.
فمهما كان الأمر، يظل صالح والده، ولم يكن يستطيع رفع صوته عليه أو الدخول معه في نقاش طويل.
اتجه نحو الباب، لكنه توقف فورًا عندما وجد دينا واقفة في انتظاره.
ابتسم لها وقال:
“آسف، خليتك تستني.”
“لا أبدًا، أنا لسه واقفة دلوقتي يا سي أدهم، وهتعبك معايا.”
“متقوليش كده. لا تعب ولا حاجة. يلا بينا.”
انطلق أدهم بسيارته برفقة دينا، وأوصلها إلى جامعتها.
طوال الطريق كان شارد الذهن.
كيف سيمنع زواجها من معتز؟
وكيف سيواجه والده بحقيقة مشاعره؟
كان يفكر في أكثر من حل، لكن الإجابة الوحيدة التي كانت تتكرر في رأسه:
“مش عارف.”
فكر في الاتصال بأخته أميرة.
ورغم أنها أصغر منه، وكانت قريبة في العمر من دينا، فإنها كانت أقرب شخص إليه، وبئر أسراره، والوحيدة التي تعرف حقيقة مشاعره تجاه دينا.
بعد أن أوصل دينا إلى الجامعة، اتجه إلى عمله.
دخل مكتبه، وأول شيء فعله أنه اتصل بأخته.
في مكان آخر، وتحديدًا في الإسكندرية، كانت أميرة غارقة في النوم.
استيقظت على صوت هاتفها المتكرر.
اعتدلت في جلستها وفتحت عينيها الفيروزيتين، اللتين ورثتهما عن والدتها، ثم حاولت ترتيب شعرها الأشقر المتداخل مع بعض الخصلات البنية.
كانت أميرة الابنة المدللة لوالدها، لكنها رغم ذلك كانت تتمتع بعقل متزن وشخصية حكيمة.
كانت قد ذهبت إلى الإسكندرية لقضاء عدة أيام مع خالتها التي تحبها كثيرًا، وكانت تعاملها مثل ابنتها.
نظرت إلى شاشة هاتفها، فوجدت اسم أخيها يظهر أمامها.
“أدهم شكاوي.”
ابتسمت بسخرية.
فبسبب كثرة مشاكله وشكواه المستمرة من والده، أطلقت عليه هذا الاسم.
ردت بصوت ناعس:
“يعني سبتلك القاهرة كلها وجيت عند خالتي علشان أرتاح من الشكاوي بتاعتك، ألاقيك بتتصل بيا! خير؟ إيه شكوى حضرتك النهارده؟”
جاءها صوت أدهم الغاضب:




