
سكت
فتحت الورق وبدأت أقرا
وفجأة لقيت اسم شركة أنا عمري ما سمعته قبل كده
قلت
—إيه الشركة دي؟
حسن اتوتر
—دي شركة كنت داخل معاهم في شراكة
—شراكة إيه؟
—مش مهم دلوقتي
بصيت له
—لأ مهم جدًا
وقريت اسم الشركة مرة تانية
حسيت بحاجة غريبة
الاسم كان مألوف
حاولت أفتكر لحد ما افتكرت إن الاسم ده كان مكتوب قبل كده على ظرف وصل لحسن من كام شهر
وقتها سألته عنه وقال لي إنه موضوع شغل عادي
بصيت له وقلت
—إنت كنت بتخدعني من إمتى؟
قال
—منى الموضوع أكبر مما تتخيلي
قلت له
—أنا بدأت أصدق
وفجأة تليفوني رن
كان رقم أمي
رديت وأنا بحاول أتماسك
—ألو يا أمي
صوتها كان متوتر
—منى إنتِ في البيت؟
—أيوه
—حسن عندك؟
بصيت له
—أيوه
سكتت لحظة وبعدين قالت
—خلي بالك منه وما تسيبيهوش يمشي
سألتها
—ليه؟
قالت جملة خلتني أنسى كل حاجة
—عشان في ناس بتدور عليه من الصبح
بصيت لحسن
هو كان واقف قدامي ووشه اتغير تمامًا
قلت
—مين الناس دي؟
أمي قالت
—مش عارفة بس واحد منهم جه عندي وسأل عنك وعن الشقة
حسيت ببرودة في إيدي
قفلت المكالمة وبصيت لحسن
—إنت مخبي عني إيه كمان؟
حسن فضل ساكت
قربت منه وقلت
—المرة دي مش هسكت
رفع عينه لي وقال
—لو عرفتي الحقيقة ممكن تكرهيني للأبد
قلت
—بعد كل اللي عملته لسه فاكر إن فيه حاجة ممكن توجعني أكتر؟
اتنهد وقال
—الشركة اللي في الورق دي مش شريكتي
—أمال إيه؟
بص حواليه كأنه خايف حد يسمعه وقال
—دي الشركة اللي كنت بحول لها فلوس من حسابنا
اتجمدت مكاني
—حسابنا؟
هز راسه
—أيوه
قلت
—فلوسنا إحنا؟
قال بصوت ضعيف
—أنا خدت جزء من مدخراتنا من غير ما تعرفي
حسيت إن الدنيا اسودت قدامي
بس اللي صدمني أكتر إنه قبل ما أكمل كلامي سمعنا خبط عنيف على باب الشقة
المرة دي ماكانش خبط شخص واحد
كان فيه أكتر من صوت برا
واحد منهم صرخ
—حسن افتح الباب إحنا عارفين إنك جوه
بصيت لحسن
وشه كان أبيض تمامًا
وقلت له
—مين دول؟
بص لي للحظة وبعدين قال
—دول مش جايين عشان الفلوس يا منى…
وساعتها لأول مرة فهمت إن موضوع الديون والشقة والخيانة كان مجرد أول طبقة في سر أخطر بكتير…
الباب كان بيتهز من الخبط وحسن واقف قدامي وشه أبيض كأنه شاف شبح
بصيت له وقلت
—إنت عملت إيه يا حسن؟
قال بصوت واطي
—أنا ماكنتش متخيل إن الموضوع هيوصل لكده
الخبط زاد وصوت الراجل برا علا
—افتح يا حسن قبل ما نفتح إحنا!
أنا كنت مرعوبة بس الغضب كان أقوى من الخوف
قلت له
—افتح الباب
هز راسه بسرعة
—لا
—افتح
—منى اسمعيني
—إنت عايز تفضل طول عمرك تهرب؟ افتح!
بعد ثواني طويلة فتح الباب
كان فيه اتنين رجالة واقفين ومعاهم محامي
المحامي بص لحسن وقال
—أنت عارف إحنا جايين ليه
حسن قال
—أنا محتاج وقت
المحامي رد
—الوقت خلص
بصيت لهم وقلت
—ممكن أفهم اللي بيحصل؟
المحامي فتح الملف وقال
—جوز حضرتك دخل في شراكة بمبلغ كبير مع مجموعة من المستثمرين وبعد الخسارة حاول يغطي العجز من فلوس البيت ومن قروض جديدة
بصيت لحسن
—كل ده من غير ما أعرف؟
هز راسه وهو ساكت
المحامي كمل
—ولما اكتشف إن الوضع خرج عن سيطرته بدأ ينقل بعض الأموال لحسابات تانية
قلت
—ليه؟
حسن أخيرًا رفع عينه لي
—عشان كنت خايف أخسرك
ضحكت من شدة الصدمة
—فخسرتني بإيدك
المحامي قال إن عندنا مهلة قانونية لتسوية المبلغ وإن الشقة مش هتتباع فورًا وإن فيه إجراءات ممكن توقف التنفيذ لو اتعملت تسوية قانونية
أول ما مشيوا قفلت الباب وقعدت على الكرسي
حسن وقف قدامي
—منى أنا آسف
رفعت عيني له
—أنا مش هقدر أرجع لك
وشه وقع
—يعني خلاص؟
قلت
—الخيانة مش إنك حبيت واحدة تانية بس
سكت شوية وبعدين كملت
—الخيانة إنك أخدت حياتنا كلها وقررت لوحدك تعرضها للخطر وبعدين لما الدنيا وقعت رجعت تدور على الست اللي كنت شايفها مضمونة
دموعه نزلت
—أنا عارف إني مش استاهلك
قلت له
—لأ يا حسن إنت لازم تستاهل نفسك الأول قبل ما تطلب من حد تاني يسامحك
قعدنا بعدها مع محامي واتعرفنا على كل تفاصيل الديون واتضح إن جزء كبير منها ممكن يتسوى من غير ما نخسر الشقة
لكن كان فيه شرط
إن حسن يبيع حاجات كتير باسمه ويسدد الجزء الأكبر من المبلغ بنفسه
عمل كده فعلًا
وبعد شهور طويلة قدرت أحافظ على بيتي وأبدأ أرتب حياتي من جديد
أما حسن فسكن في شقة صغيرة وبدأ يشتغل شغل إضافي عشان يسدد اللي عليه
وفي يوم قابلته صدفة قدام مكتب المحامي
وقف وقال
—منى
بصيت له
—نعم؟
قال
—أنا عارف إنك مش هترجعي لي بس كنت محتاج أقول لك حاجة
سكت
قال
—أكتر حاجة ندمت عليها مش إني خسرت سارة
أنا ندمت إني خسرتك إنتِ
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت
—يمكن لو كنت فهمت ده قبل ما تسيب البيت كان كل شيء اختلف
قال
—لسه في فرصة؟
هزيت راسي
—في فرصة إنك تصلح نفسك
سكت
وبعدين قلت
—لكن مش لازم تكون معايا
مشيت وسيبته واقف مكانه
وأول مرة من خمسة وعشرين سنة حسيت إني مش محتاجة حد يختارني
أنا اخترت نفسي
والبيت اللي كان يوم من الأيام مليان خوف ووجع رجع يبقى مكاني الآمن
ومن يومها عرفت إن بعض الناس لما يمشوا من حياتك بتفتكري إن الدنيا انتهت
لكن الحقيقة إن أوقات كتير مش بيكونوا بياخدوا حياتك معاهم
بيكونوا بيفتحوا لك الباب عشان تبدأي حياة جديدة من غيرهم
أما حسن ففضل يسدد ديونه ويصلح أخطاءه
وسارة اختفت من حياته تمامًا
وأنا؟
أنا ما رجعتش له
مش عشان ماكانش فيه حب
لكن عشان اكتشفت إن الحب لوحده مش كفاية
الثقة لما تتكسر مش دايمًا بتتصلح
وأصعب قرار خدته في حياتي كان إني أقفل الباب ورا راجل قضيت معاه خمسة وعشرين سنة
لكن أول ما قفلته
اكتشفت إن الباب اللي قفلته ورايا كان بيفتح قدامي حياة كاملة ماكنتش شايفاها…
وأهو دي كانت النهاية الحقيقية للحكاية لأن أحيانًا الرجوع مش معناه إنك ترجع لنفس المكان
أحيانًا الرجوع بيكون مجرد فرصة أخيرة تعرف بيها إنك كنت في الأصل واقف قدام أغلى حاجة في حياتك
وماعرفتش قيمتها غير بعد ما ضيعتها 😂




