
يا أحمد لو رجعت بعد عشر سنين ما تثقش في سارة
فضل أحمد باصص للجملة كأنه مستني الحروف تتحرك قدام عينه وتتغير
رفع عينه لسارة وقال بصوت واطي
الكراسة دي إيه؟
سارة وشها اتغير فجأة واللون اختفى من عليه
قالت وهي بتحاول تاخد الكراسة منه
إنت لقيتها فين؟
أحمد شد إيده بعيد عنها
يعني إيه لقيتها فين؟ دي كانت في شنطتي!
سارة قربت منه وهي مرتبكة
أحمد بالله عليك إديني الكراسة
إنتي عارفاها؟
سكتت
والسكوت كان أخطر من أي إجابة
أحمد فتح صفحة تانية
“أحمد مش عارف الحقيقة كلها… ولو عرفها ممكن يكرهني للأبد”
إيده بدأت ترتعش
قلب الصفحة
“أنا ما كنتش بستناه لوحدي”
رفع عينه لسارة
مين كان معاكي؟
سارة غمضت عينيها وقالت
أنا كنت مستنياك يا أحمد
كذب!
صوته دوّى في البيت
أنا شوفت الفنجان التاني بعيني
سارة بدأت تعيط
الفنجان ده كان بيتحط كل يوم من عشر سنين
أحمد اتصدم
ليه؟
عشان أبويا كان بيقعد هنا
أحمد بص ناحية الكرسي الهزاز
أبوكي؟
سارة هزت راسها
أيوه… بس مش عشان يستناني أنا وإنت
قعد أحمد قدامها وهو مش فاهم حاجة
قالت وهي بتبص للأرض
أبويا كان عارف إنك بتكتبلي
أحمد انتفض
إيه؟
كان عارف إنك كتبت 120 جواب
أحمد حس إن نفسه اتقطع
إنتي عرفتي إزاي؟
سارة بصت له بعينين مليانين دموع
عشان أنا قريت أول جواب
مين وصلهولك؟
سارة ما ردتش
أحمد قرب منها
مين؟
قالت بصوت مكسور
أبويا
سكت أحمد ثواني طويلة
وبعدين ضحك ضحكة قصيرة مليانة وجع
يعني طول العشر سنين أنا كنت فاكر إنك ما وصلكيش مني ولا جواب… وإنتي كنتي عارفة؟
سارة هزت راسها
أول جواب بس
وبعدين؟
أبويا أخده
والتاني؟
أخده
والتالت؟
كلهم
أحمد قام مرة واحدة
يعني كل اللي كتبته…
كان عنده
أيوه
طب ليه ما بعتتيشلي؟
سارة انفجرت في العياط
كنت بحاول!
أبويا كان بيهددني
يهددك بإيه؟
قال إنه لو حاولت أوصل لك هيخليك تختفي من حياتي للأبد
أحمد قرب منها
بس إنتي وعدتيني تستنيني
أنا استنيتك
عشر سنين يا أحمد
كل يوم كنت بقعد على الكرسي ده
بس أبويا كان بيحط قدامي فنجانين
واحد ليا وواحد ليه
وبعد ما مات من سنتين فضلت أحط الفنجان التاني
أحمد بص لها باستغراب
ليه؟
عشان كنت حاسة إنه لسه مخبي حاجة
وفجأة سمعوا صوت مفتاح بيدخل في باب البيت
سارة اتجمدت
أحمد بص ناحية الباب
مين؟
سارة قربت منه وهمست
أنا كنت خايفة من اللحظة دي من عشر سنين
الباب اتفتح ببطء
ودخل راجل في الخمسينات شايل ظرف بني قديم
بص لأحمد وقال
إنت رجعت أخيرًا يا أحمد؟
أحمد بص لسارة
إنتي تعرفيه؟
سارة ما قدرتش تتكلم
الراجل حط الظرف على الترابيزة وقال
أنا الشخص الوحيد اللي كان أبوكي بيثق فيه
وبعدين بص للكراسة اللي في إيد أحمد
وقال جملة خلت أحمد يحس إن الأرض بتتحرك تحته
الكراسة دي مش بتاعتك يا أحمد
دي بخط أبوك الحقيقي
أحمد اتصدم
أبويا مات من وأنا صغير
الراجل ابتسم بحزن
أبوك ما ماتش زي ما إنت فاكر
وأنا جاي أقولك الحقيقة اللي اتدفنت عشر سنين
لكن قبل ما أكمل لازم تعرف إن سارة نفسها كانت السبب في إنك خرجت من البلد يومها…
أضف سبب رحيل أحمد بوضوح
اربط الكراسة بالظرف القديم
اجعل هوية الرجل أكثر غموضًا
أحمد فضل واقف مكانه كأنه اتشل من الصدمة
بص للراجل وقال
إنت بتقول إيه؟ أبويا مات وأنا عندي عشر سنين
الراجل حرك راسه ببطء
ده اللي اتقال لك
بس مش الحقيقة
سارة قربت من أحمد وهي بتعيط
أحمد ما تسمعش له
الراجل بص لها وقال
كفاية يا سارة… عشر سنين وإنتي ساكتة
أحمد لف لها بسرعة
ساكتة عن إيه؟
سارة ما ردتش
الراجل فتح الظرف البني وطلع منه صورة قديمة
مدها لأحمد
أول ما أحمد شاف الصورة إيده ارتعشت
كان فيها راجل واقف جنب عربية قديمة وعلى إيده طفل صغير
الطفل كان أحمد
والراجل…
كان شبه أحمد بشكل يخض
قال الراجل
ده أبوك يا أحمد
أحمد بص للصورة وبعدين رفع عينه
بس ده مستحيل
أبوك عاش سنين بعد ما خرج من البلد
وكان بيتابعك من بعيد
طب ليه ما رجعليش؟
عشان الحاج محمود منعه
أحمد اتجمد
منع أبويا؟
أيوه
أبوك كان شغال معاه زمان
وكان بينهم سر كبير
والسر ده كان ممكن يهد عيلة الحاج محمود كلها
أحمد حس إن قلبه بيخبط في صدره
وسارة كانت واقفة بتعيط
بص لها وقال
إنتي كنتي عارفة؟
سارة ردت بصوت ضعيف
عرفت من أبويا قبل ما
وليه ما قولتيليش؟
عشان أبويا قال لي إن لو قلتلك الحقيقة هتضيع
أحمد ضحك بمرارة
أنا ضعت أصلًا
عشر سنين يا سارة
عشر سنين وأنا فاكر إني فقير ومش مستاهلك
الراجل قاطعه
إنت ما كنتش فقير يا أحمد
أبوك كان ليه نصيب كبير في الأرض اللي الحاج محمود بقى مالكها
أحمد بص له بعدم تصديق
يعني إيه؟
يعني جزء كبير من الأراضي اللي الناس فاكرة إنها ملك الحاج محمود كانت أصلًا شراكة بين أبوك وبينه
ولما أبوك اختفى الحاج محمود كتب كل حاجة باسمه
أحمد مسك الكراسة
طب الكراسة دي إيه؟
الراجل قال
دي آخر حاجة أبوك كتبها قبل ما يختفي
فتح أحمد الصفحة اللي بعدها
ولقى كلام واضح
“لو ابني أحمد رجع يومًا للبلد فخليه يعرف إن سارة بريئة من كل اللي حصل”
أحمد بص لسارة
يعني إنتي بريئة؟
سارة هزت راسها وهي بتعيط
أنا حاولت أوصلك
أبويا كان بيمنعني
وفي ليلة قبل سفرك بيوم أنا رحت له وقلت له إني ههرب معاك
هو قفل عليا الأوضة
أحمد غمض عينيه
افتكر آخر ليلة شافها فيها
افتكرها وهي بتجري عليه من غير جزمة
افتكر وعدها
افتكر الكرسي الهزاز
وبعدين فتح عينه وقال
طب أبوكي مات إزاي؟
الراجل سكت
سارة بصت له
قول له
الراجل أخذ نفس طويل
الحاج محمود مات من سنتين
بس قبل ما بأيام طلب مني أوصل لك الظرف ده لو رجعت
ليه؟
عشان كان خايف
من مين؟
من الشخص اللي كان بيشتغل معاه
أحمد حس بقشعريرة
مين؟
الراجل بص ناحية باب البيت وقال
أخوك
أحمد اتصدم
أخويا مات وهو صغير
الراجل هز راسه
ده اللي اتقال لك برضه
وفجأة سمعوا خبط جامد على الباب
سارة شهقت
الراجل قفل الظرف بسرعة
أحمد قرب من الباب
مين؟
جاله صوت من بره
افتح يا أحمد
أنا عارف إنك رجعت
أحمد بص لسارة
هي كانت بتترعش
همست
الصوت ده…
إنتي تعرفيه؟
قالت
أيوه
ده صوت الشخص اللي أبويا كان خايف منه
أحمد فتح الكراسة بسرعة وقلب الصفحات لحد ما لقى آخر صفحة
وكان مكتوب فيها سطر واحد بس
“لو سمعت صوته بعد رجوعك ما تفتحش الباب مهما حصل”
وفي اللحظة دي الباب بدأ يتفتح لوحده…
الباب بدأ يتفتح لوحده والهواء البارد دخل البيت ومعاه صوت خطوات تقيلة على الأرض
أحمد رجع خطوة لورا وهو ماسك الكراسة في إيده
الراجل اللي جاب الظرف وقف قدام الباب وقال
محدش يتحرك
لكن الباب اتفتح للآخر
ودخل راجل طويل لابس جلابية غامقة ووشه عليه ملامح غريبة كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين
أحمد بص له كويس
وفجأة حس إن ملامحه مألوفة
الراجل ابتسم وقال
كبرت يا أحمد
أحمد قرب منه
إنت مين؟
الراجل رد بهدوء
أنا سامح
أحمد هز راسه
سامح مين؟
الراجل بص لسارة وقال
قولي له
سارة كانت منهارة من العياط
ده سامح… أخويا
أحمد بص لها كأنه ما سمعش الكلام صح
أخوكي؟
إنتي قولتي إنك ما عندكيش إخوات!
سارة نزلت عينيها
أبويا كان بيقول للناس إن سامح مات وهو صغير
سامح ضحك بسخرية
أنا ما متش
أنا اتبعت بعيد
وأبويا كان بيصرف عليا من فلوس أبوك
أحمد قرب منه وقال
فلوس أبويا؟
سامح طلع ورقة قديمة وحطها قدام أحمد
دي كانت آخر ورقة أبوك مضى عليها
أحمد مسكها وقرأ
كان مكتوب فيها إن نص الأرض هيتسجل باسمه ونصها التاني باسم شريكه
وتحت التوقيع كان اسم والده
أحمد رفع عينه
شريكه مين؟
سامح قال
الحاج محمود
أحمد حس إن الصورة بدأت تكتمل
يعني أبويا والحاج محمود كانوا شركا؟
أيوه
ولما أبوك اختفى الحاج محمود أخد كل حاجة
سارة قاطعته
بس سامح كان عايز ياخد حقه بأي طريقة
أحمد بص له
وعشان كده كنت بتخوفني؟
سامح ابتسم
أنا اللي كنت ببعت لك أخبار أبوك
أنا اللي كنت بخلي الناس تراقبك في القاهرة
أنا اللي كنت عايزك ترجع
أحمد اتصدم
إنت؟




