عام

احمد رجع بعد عشر سنين

أيوه

لكن أبوك كان كاتب حاجة أهم من الأرض

طلع سامح ورقة تانية من جيبه

أحمد فتحها

وكان أول سطر فيها

“لو ابني رجع البلد يومًا ما تقولوش على الأرض الأول… قولوله مين اللي خانني”

أحمد قلب الورقة

مفيش اسم

قال بعصبية

مين خانه؟

سامح بص لسارة

وبعدين بص لأحمد

أمك

أحمد اتراجع كأنه اتضرب

إنت مجنون؟

سامح قال

أمك كانت تعرف إن أبوك عايش

وكانت عارفة مكانه

سارة صرخت

كفاية يا سامح!

أحمد بص لها

إنتي كنتي عارفة الكلام ده؟

سارة قربت منه

أنا عرفت الحقيقة قبل  أبويا بأيام

لكن ما كنتش عارفة أقولك إزاي

أحمد هز راسه

كل الناس كانت عارفة إلا أنا

سامح قرب منه وقال

لسه فيه حاجة أخطر

أبوك ما اختفاش بمزاجه

أحمد سكت

سامح كمل

اتحبس في مخزن قديم على أطراف البلد

مين حبسه؟

سامح بص للحاج محمود في صورة معلقة على الحيطة وقال

الحاج محمود

وأبوك فضل هناك شهور

لحد ما واحد ساعده يهرب

مين؟

سامح ما ردش

أحمد مسكه من كتفه

مين؟

قال سامح

أنا

أحمد سكت للحظات

طب أبويا فين دلوقتي؟

سامح بص له بنظرة غريبة

هنا كانت المفاجأة

أبوك ما ماتش

أحمد حس إن الدنيا بتلف بيه

يعني إيه؟

يعني أبوك عايش

وفضل طول السنين دي مستني اليوم اللي ترجع فيه

أحمد قرب منه بسرعة

فينه؟

سامح أشار ناحية الشباك

في البيت اللي قصادكم

أحمد بص من الشباك

كان فيه راجل عجوز واقف في البلكونة

وأول ما عينه جت في عين أحمد رفع إيده ببطء

أحمد حس بقلبه بيتوقف

الراجل كان شبهه بشكل مستحيل

سارة بدأت تعيط وقالت

أحمد…

ده أبوك

أحمد فتح باب البيت وجري ناحية الشارع

لكن قبل ما يوصل للطرف التاني سمع صوت سامح وراه

استنى!

أحمد وقف

سامح جري عليه وقال

في حاجة لازم تعرفها قبل ما تقابله

أحمد لف له

إيه؟

سامح بص في عينه وقال

أبوك هو اللي طلب مني أكتب الكراسة باسمك

أحمد اتصدم

بس أنا لسه ما فهمتش…

سامح قاطعه

هو ما كانش خايف على نفسه

كان خايف عليك

وعشان كده خبّى الحقيقة عشر سنين

أحمد بص ناحية البيت

وفجأة سمع صوت الراجل العجوز من بعيد

أحمد…

ابني…

الصوت كان مبحوح لكنه واضح

أحمد اتحرك ناحية البيت

لكن قبل ما يدخل سمع جملة خلت الدم يتجمد في عروقه

“ابعد عن سارة يا ابني… لأنها مش البنت اللي فاكر إنك بتحبها.”

أحمد وقف مكانه

وبص لسارة

وسارة كانت واقفة بعيد وبتبكي

لكن المرة دي…

ما أنكرتش.

أحمد فضل واقف قدام البيت مش قادر يستوعب آخر جملة سمعها

بص لسارة وقال

يعني إيه مش البنت اللي فاكر إني بحبها؟

سارة قربت منه وهي بتعيط

أنا سارة يا أحمد… نفس البنت اللي استنيتك عشر سنين

لكن أبويا قبل ما  قال لي حاجة ما قدرتش أقولها لك

أحمد دخل البيت بسرعة وقفل الباب وراه

الراجل العجوز كان قاعد على كرسي قديم ووشه مليان تعب وسنين

أول ما شاف أحمد وقف بالعافية

وقال

سامحني يا ابني

أحمد قرب منه وعينه مليانة دموع

إنت أبويا بجد؟

الراجل هز راسه

أيوه

أحمد حضنه لأول مرة بعد أكتر من عشرين سنة

وقعد يبكي زي طفل صغير

ليه سبتني؟

أبوك مسك راسه وقال

ما سبتكش بإرادتي

الحاج محمود كان شريكي في الأرض

ولما حصل خلاف بينا حاول يحرمني من حقي

ولما رفضت أتنازل هددني بيك

كنت خايف عليك

فهربت وخليت الناس تقول إني مت

أحمد مسح دموعه وقال

طب ليه ما رجعتش؟

لأني كل مرة كنت بحاول أرجع كان بيهددني إنه هيأذيك

سكت لحظة وبعدين قال

لكن في حاجة واحدة عملتها غلط

إيه؟

منعتك من سارة

أحمد بص له

إنت؟

أيوه

أنا اللي طلبت من سامح يراقبك

وأنا اللي طلبت من الحاج محمود يقطع كل طريق بينك وبينها

أحمد رجع خطوة

ليه؟

أبوك بص لسارة اللي كانت واقفة عند الباب وقال

عشان أمها هي اللي كانت السبب في كل اللي حصل لأبوك

أحمد بص لسارة

سارة نزلت عينيها

أبويا كان فاكر إن أمك خانته

لكن الحقيقة إنها كانت بتحاول تنقذني

أحمد ما فهمش

تنقذك من إيه؟

سارة طلعت من شنطتها ظرف قديم

وقالت

ده جواب أمي قبل ما

أحمد فتحه وقرأ

وكان مكتوب إن أم سارة اكتشفت إن الحاج محمود كان بيزور عقود الأراضي وإنه سرق نصيب أبو أحمد

ولما حاولت

وفي نفس الوقت كانت أم أحمد بتحاول تساعدها

لكن الاتنين خافوا على ولادهم

وأم أحمد اضطرت تختفي فترة

أحمد رفع عينه وقال

يعني كل السنين دي كنا فاهمين بعض غلط؟

أبوه قال

أيوه

الناس زرعت بينكم كذبة كبيرة

وأنت دفعت تمنها عشر سنين من عمرك

أحمد بص لسارة

طب إنتي ليه ما اتجوزتيش؟

سارة ابتسمت وسط دموعها

عشان وعدتك

أنا كل يوم كنت بقعد على الكرسي ده

حتى لما الناس قالت إنك نسيتني

وحتى لما جالي عرسان

كنت بقول لهم إن في حد وعدته

أحمد ابتسم

والفنجان التاني؟

سارة ضحكت وهي بتعيط

كان ليك

كنت بحطه كل يوم

عشان لما ترجع ما تحسش إن مكانك اتاخد

أحمد قرب منها ومسَك إيدها

أنا رجعت

سارة بصت له

رجعت عشاني ولا عشان أبويا؟

أحمد رد من غير تردد

رجعت عشانك

وبعدين رجعت عشان نفسي

وفي اللحظة دي دخل سامح ومعاه ملف كبير

وقال

لسه في حاجة لازم تخلص

فتح الملف قدامهم

كانت فيه كل عقود الأراضي القديمة وأوراق تثبت إن نص الأرض حق أحمد وأبوه

وبعد شهور من التحقيق والمحاكم رجعت الحقوق لأصحابها واتكشف تزوير الحاج محمود بالكامل

لكن أحمد ما اهتمش بالأرض ولا الفلوس قد ما اهتم بحاجة واحدة

أبوه

نقله يعيش معاه في القاهرة وفضل جنبه لحد آخر عمره

أما سارة فأحمد رجع لها بعد كل السنين دي بنفس الكرسي الهزاز اللي استناه

وفي يوم فرحهم كانت سارة قاعدة عليه وبتضحك

أحمد وقف قدامها وقال

تفتكري عشر سنين انتظار كانوا يستاهلوا؟

سارة ردت

لو كنت عارفة إنك هترجع كده كنت استنيتك عشرين

ضحك أحمد وقال

بس أنا عندي حاجة أهم

وطلع من شنطته صندوق قديم

فتحته قدامها

كان فيه الـ120 جواب اللي كتبهم لها طول العشر سنين

سارة مسكت أول جواب وبدأت تقرأ

لكنها بعد أول سطر انفجرت في العياط

أحمد سألها

إيه؟

قالت

إنت كنت بتكتب لي إنك راجع؟

قال

كل يوم

سارة بصت له وقالت

طب ليه الكراسة دي كانت مكتوب فيها ما تثقش فيا؟

أحمد سكت

وبعدين قلب آخر صفحة من الكراسة

وكان فيه سطر صغير ما حدش شافه قبل كده

“لو أحمد رجع وقرأ الكلام ده… لازم يعرف إن سارة هي الوحيدة اللي ما خانتوش.”

أحمد بص لسارة وضحك

إنتي كنتي بتخبي عليا الحقيقة طول السنين

قالت

وأنت كنت مخبي عني 120 جواب

قال

خلاص… اتعادلنا

ضحكت وهي بتعيط وحطت راسها على كتفه

وبعد عشر سنين من الانتظار أخيرًا اتقفل باب الماضي

واتفتح باب جديد

باب ما فيهوش فقر ولا خوف ولا أهل بيتحكموا في مصير اتنين بيحبوا بعض

بس قبل ما أحمد يقفل الكراسة القديمة نهائيًا لاحظ إن فيه ورقة صغيرة كانت مستخبية في آخر الغلاف

فتحها

وقرأ جملة واحدة

“يا أحمد لو وصلت للورقة دي يبقى لازم تعرف إن أبوك ما كانش آخر شخص أخفى عنك الحقيقة…”

رفع أحمد عينه لسارة

وسألها

سارة…

إنتي تعرفي مين كتب الجملة دي؟

سارة وشها اتغير

وبصت له في صمت

لأنها كانت عارفة الإجابة…

والسر اللي لسه ما اتكشفش كان أكبر من كل اللي حصل قبل كده.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى