روايات وقص

س قبل ما افتح الظرف

علاء اتوتر

“ماتصدقهوش”

حمدي ضحك بسخرية

“لسه بتكدب زي أبوك”

علاء قرب منه ومسَكه من هدومه

“اخرس!”

ياسين تدخل بينهم

“كفاية”

حمدي بصلي وقال

“محمود اكتشف كل حاجة وكان ناوي يروح للشرطة”

“وبعدين؟”

“أبو علاء عرف”

حسيت إن الدنيا بتلف بيا

“وأبو علاء عمل إيه؟”

حمدي بص للأرض

“طلب مني أخوفه بس”

“بس؟”

“كنت مفروض أخليه يسيب البلد ومايتكلمش”

“وإنت عملت كده؟”

هز راسه

“لا”

سكت شوية وبعدين قال

“لما وصلنا الجبل حصلت خناقة بين محمود وأبو علاء”

علاء صرخ

“أبويا ماكانش عايز يقتله!”

حمدي بصله

“بس هو وقع من فوق الجبل”

صرخت

“وقع؟!”

“أيوه”

دموعي نزلت

“ومات؟”

حمدي رفع عينه

“لا”

اتجمدت

“يعني إيه لا؟”

“محمود كان لسه عايش”

ياسين قال

“وأنا لقيته”

بصيت لياسين

“إنت؟”

هز راسه

“كنت معدي بالعربية وقتها وشوفته واقع جنب الطريق”

حمدي كمل

“وأنا هربت”

“طب ليه ما رجعتش تنقذه؟”

“خفت”

“وسبته؟”

حط إيده على وشه

“أنا كنت جبان”

سكت لحظة وبعدين قال

“بس قبل ما أمشي شوفته بيطلب مني حاجة”

“إيه؟”

طلع موبايله وفتح صورة

الصورة كانت لمحمود وهو مصاب ووشه مليان تراب

حطيت إيدي على بقي

“أخويا”

ياسين قرب مني

“محمود عاش”

“فينه؟”

قبل ما يرد دخل علاء بسرعة وقفل باب المخزن بالمفتاح

“محدش هيتحرك من هنا”

بصيتله بخوف

“إنت بتعمل إيه؟”

قال بصوت منخفض

“اللي كان لازم أعمله من زمان”

قرب مني ومد إيده

“هاتِ الورقة”

رجعت لورا

“أي ورقة؟”

صرخ

“الورقة اللي محمود بعتها ليكي!”

ياسين وقف قدامه

“لو قربت منها هتندم”

علاء طلع موبايله

“إنت فاكر إنك تقدر تهددني؟”

وفجأة وصلني إشعار على موبايلي

رقم غريب

فتحت الرسالة

كانت صورة لمحمود

وتحتها جملة واحدة

“ندى أنا مستنيكي في المكان اللي بدأت فيه الحكاية”

وبعدها عنوان قديم للمشتل

عنوان ماحدش يعرفه غيري أنا ومحمود وأبويا

رفعت عيني ناحية علاء

لكن قبل ما أتكلم سمعت صوته من ورايا

“لو عايزة تعرفي أخوكي عايش ليه كل السنين دي ومين اللي خبّاه عنك تعالي لوحدك”

وكانت الرسالة موقعة باسم محمود.

فضلت باصة للموبايل وأنا مش قادرة أستوعب إن أخويا اللي عشت سبع سنين وأنا فاكرة إنه مات أو هرب سايبنا ظهر فجأة برسالة

علاء مد إيده

“هاتي الموبايل”

رجعت خطوة لورا

“مش هديك حاجة”

“ندى أنا بحاول أحميكي”

ضحكت بمرارة

“تحميني؟ وإنت مخبي عليا إن أخويا عايش؟”

علاء نزل عينه للأرض

“أنا ماكنتش عارف إنه عايش”

ياسين قال

“كداب”

علاء بصله بغضب

“إنت مالك؟”

ياسين رد بهدوء

“أنا الوحيد اللي يعرف محمود كان بيخطط لإيه”

حمدي قرب وقال

“ومحمود ماكانش عايز ينتقم من حد”

بصيتله

“أمال كان عايز إيه؟”

“كان عايز يرجعلك حقك”

سكت الكل

ياسين حط قدامي ظرف تاني

“افتحيه”

فتحته ولقيت مستندات ملكية المشتل كلها

عقود قديمة

إيصالات

وتوقيعات تثبت إن أبو علاء كان بيحاول يستولي على الأرض والمخازن من سنين

وفي الآخر لقيت ورقة باسم أبويا

مكتوب فيها إن المشتل ملكي أنا بالكامل

فضلت أبص للورقة والدموع بتنزل من عيني

“أبويا كان عارف”

ياسين هز راسه

“وكان مجهز كل ده قبل ما يموت”

علاء قرب مني

“ندى اسمعيني”

بصيتله

“إنت رجعت عشان المشتل”

سكت

“رجعت عشان أبوك مات وعرفت إن الأرض هتبقى باسمي”

ما ردش

“ولما عرفت إني حامل حاولت تسيبني عشان تاخد نصيبك بعدين”

علاء قال بصوت مكسور

“أنا غلطت”

“الغلط إنك نسيت إن ده بيت أبويا”

خرجت ملف الطلاق من على الترابيزة

“أنا مش هكمل معاك”

علاء بص للورق

“ولو طلقتيني هتخسري كل حاجة”

ابتسمت لأول مرة من غير خوف

“لا يا علاء”

بصيت للمستندات

“أنا لأول مرة هكسب كل حاجة”

في اللحظة دي سمعنا صوت عربية بتقف قدام المشتل

ياسين فتح الباب

ونزل راجل من العربية

كان واقف بصعوبة وبيستخدم عصاية

أول ما شوفته قلبي وقف

ملامحه اتغيرت

لكن عينيه ما اتغيروش

العينين اللي كنت شايفاهم في صور طفولتنا

“محمود”

جريت عليه وأنا بعيط

حضني بكل قوته

“وحشتيني يا ندى”

فضلت ماسكة فيه كأني خايفة يختفي تاني

“إنت عايش كل السنين دي؟”

“كنت عايش”

“ليه ما رجعتش؟”

مسح دموعي

“لأني لو رجعت كنت هعرّضكم للخطر”

بص ناحية علاء

“خصوصًا بعد ما عرفت إن أبويا مش لوحده”

علاء وشه اصفر

“محمود أنا…”

محمود قاطعه

“أنا مش جاي ألومك”

وبعدين طلع موبايله وشغل تسجيل صوتي

صوت أبو علاء كان واضح

“لو محمود اتكلم هنخسر كل حاجة”

بعدها صوت علاء وهو أصغر سنًا

“وأنا أعمل إيه؟”

الصوت رد

“اتجوز أخته وخليك قريب من الأرض”

حسيت إني مش قادرة أتنفس

بصيت لعلاء

هو ماقدرش ينطق

محمود قرب مني وقال

“هو ماحبكيش يا ندى”

“كان كل اللي يهمه المشتل”

بصيت للبيت

للمخزن

للورد اللي أبويا زرعه بإيده

وفجأة حسيت إن المكان لأول مرة بقى بتاعي بجد

بعد كام شهر اتطلقت من علاء رسميًا

وحمدي اعترف بكل اللي حصل وسلم التسجيلات للشرطة

وأبو علاء اتحاكم على اللي عمله

أما ياسين ففضل في البلد

مش عشان الدين القديم وبس

لكن عشان يساعدني أصلح المشتل

ومع الوقت فهمت إن الشخص اللي دخل حياتي وقت ما كنت فاكرة إن الدنيا كلها ضدي كان هو الوحيد اللي وقف جنبي من غير ما يطلب مقابل

أما محمود

فبدأ حياة جديدة معايا

ورجع يزرع الورد اللي كان أبونا بيحبه

وفي يوم وإحنا واقفين قدام أول صوبة اتصلحت

محمود بصلي وقال

“عارفة ليه خليت ياسين هو اللي يوصلك الرسالة؟”

قلتله

“ليه؟”

ابتسم

“لأني كنت عارف إنك مش هتصدقي أي حد غيره”

بصيت لياسين

لقيته واقف بعيد بيضحك

وفي اللحظة دي فهمت إن اللي حسبته سبع سنين ضياع كان في الحقيقة سبع سنين كانت بتحضرني للحظة دي

أنا خسرت جوز

لكن رجعلي أخويا

وخسرت الخوف

لكن كسبت نفسي

أما المشتل

اللي كانوا فاكرين إنه مجرد أرض وبيوت زرع

بقى أكبر مشروع في البلد

واتحول اسمه من مشتَل أبويا

إلى “مشتل محمود وندى”

وكل ما بنتي تسألني مين اللي أنقذنا في أصعب أيام حياتنا

أبصلها وأقول

“أوقات ربنا بيبعد ناس عن طريقنا وإحنا فاكرين إنها خسارة”

“وبعدها يبعتلنا ناس تانية عشان نفهم إن اللي حصل كان نجاة”

أما علاء

فآخر مرة شوفته فيها كان واقف قدام البوابة

بيبص للمكان اللي حاول ياخده مني

وأنا قفلت البوابة في وشه

المرة دي من غير خوف

ومن غير دموع

لأني أخيرًا فهمت إن البيت اللي فضلنا نحارب عشانه سنين

ماكانش محتاج راجل يحميه

كان محتاج واحدة تؤمن إنه حقها

وأنا كنت الست دي.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى