
نزلت واستخبيت جوه دولاب خشب قديم في بيتي..بس مكنتش إني سمعت باب البيت بيتفتح لوحده، إن كلامها طلع صح، وإن في راجل غريب بيدخل بيتي كل يوم وأنا مش موجودة. **صندوق الذكريات ** أنا اسمي ليلى. عندي تمانية وتلاتين سنة، ولحد يوم الخميس ده، كنت لسه فاكرة إن الحزن له نهاية وممكن يخلص. أسر اختفى من حياتي من سنتين بعد واقعة غامضة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي. ده اللي قالوهولي وقتها.. مكالمة جاتلي الساعة تلاتة وربع الفجر.
عربية اتحولت لهيكل متفحم.
شخص ملامحه اختفت خالص لدرجة إن التعرف عليه كان شبه مستحيل.
إجراءات سريعة.. وصورة محطوطة في برواز وعليها شريط أسود.
وبيت مليان ناس عمالين يقولولي:
“شدي حيلك يا ليلى.”
بينما عالمي كله كان بيتحول لرماد قدام عيني.
بعدها حياتي بقت صغيرة.. باهتة.. وميكانيكية.
كنت شغالة محللة مالية في شركة تأمين خاصة في المعادي.
أنزل قبل تمانية الصبح.
أرجع بعد .
وأنام والتلفزيون شغال، لأن السكوت في بيت الأرملة بيبقى له صوت تقيل على الروح.
أو ده اللي كنت فكراه..
إني بعيش لوحدي.
كل حاجة اتغيرت لما حماتي، الحاجة كريمة، بدأت تراقبني.
كانت ساكنة على بعد شارعين مني في نفس حي مصر الجديدة، وعمرها ما قبلت إني أسيب بيتي وأروح أعيش معاها بعد اختفاء أسر.
كانت بتيجي من غير ما تتصل.
ساعات معاها أكل..
ساعات معاها بخور..
وساعات مبيكونش معاها غير الكلام اللي يوجع.
“الأرملة الصغيرة مش مفروض تضحك بصوت عالي يا ليلى.”
“الست اللي عايشة لوحدها لازم تاخد بالها من كلام الناس.”
“الناس بدأت تتكلم يا ليلى.”
كنت بطنشها..
لحد المغربية دي.
كنت لسه بركن عربيتي لما شوفتها واقفة عند البوابة، مربعة إيديها، شفايفها مزمومة، وعينيها بتلمع بحاجة مكنتش حزن خالص.
كانت نظرة انتصار.
قالتلي:
“أنا عارفة إنتِ بتعملي إيه.”
كشرت وقلت لها:
“مش فاهمة.. قصدك إيه؟”
ضحكت ضحكة صفرا وقالت:
“متمثليش البراءة.. كل يوم الظهر في راجل بيدخل بيتك وإنتِ في شغلك.”
قلبي وقع في رجلي.
“إيه؟!”
“أم محمد جارتك شافته.. وبتاع الدليفري شافه.. حتى الحارس قال إن في حد معاه مفتاح وبيدخل يقعد بالساعات.”
بصيت لباب بيتي..
مقفول..
زي ما سبته بالظبط.
“مستحيل.. أنا عايشة لوحدي.”
قربت الحاجة كريمة مني وهمست:
“طيب فسريلي ليه الناس بتسمع صوت راجل جوه بيتك؟”
جلدي قشعر.
للحظة مقدرتش أرد بسبب الطريقة اللي قالت بيها الكلام.
كأنها كانت مستنية اللحظة اللي .
ستات فاضية..
جيران حشريين..
المنطقة موراهاش حاجة غير إنها تراقب مين دخل ومين خرج، ومين حطت روج أحمر بدري بعد فترة الحداد.
لكن ليلتها، بدأت ألاحظ حاجات.
حاجات صغيرة أوي.
فوطة المطبخ كانت مطبقة بطريقة مختلفة.
الكوباية الاستانلس اللي جنب الحوض كان فيها ريحة عصير خفيفة.
أسر كان دايمًا بيشرب العصير في كوبايات استانلس عشان تفضل ساقعة.
فضلت واقفة مكاني فترة طويلة.
فتحت الدواليب..
مفيش حاجة ناقصة.
الأدراج..
زي ما هي.
المكان كله..
عادي.
تقريبًا..
بلوفر أسر القديم الكحلي، اللي كنت شايلاه في كيس بلاستيك وقافلة عليه عشان لسه فيه ريحته، كان مرمي في مكان غير مكانه.
كأن حد فتحه..
قرب منه..
ورجعه مكانه بإهمال.
منمتش لحظة.
الساعة 7:45 الصبح، عملت اللي بعمله كل يوم.
لبست لبس الشغل.
شيلت شنطة اللاب توب.
قفلت الباب بصوت عالي.
دورت العربية.
شاورت للحارس.
وبعدين ركنت عربيتي ورا صيدلية مقفولة في شارع جانبي، ورجعت مشي من الممرات الخلفية وأنا لافة طرحة كبيرة على راسي عشان مباينش.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إني وقعت المفتاح مرتين.
جوه بيتي، الدنيا كانت هادية..
ساكتة..
ومستنية.
قلعت جزمتي..
فتشت كل الأماكن..




