
فاضية.
دخلت ناحية الدولاب الخشب القديم واستخبيت جواه.
نفس الدولاب اللي أسر كان بيهزر زمان ويقول إنه كبير كفاية يخبي فيه حياة تانية كاملة.
كنت عايزة أضحك..
وفي نفس الوقت كنت مرعوبة.
الساعة 12:06 الظهر، سمعت خطوات بره البوابة.
مش بتاع الدليفري..
ولا الشغالة.
خطوات واثقة..
هادية.
خطوات حد عارف المكان شبر شبر.
المفتاح دخل في القفل.
زوري اتقفل من الرعب.
تكة.
الباب اتفتح.
من غير خبط..
من غير تردد.
الشخص دخل..
وقفل الباب وراه.
وبعدين صوت قال:
“هي مشيت؟”
أنا بطلت أتنفس.
مش معقول..
ده صوت أسر.
مش شبهه..
مش تهيؤات..
مش من كتر الحزن.
ده أسر.
نفس النبرة العميقة..
نفس الوقفة في نص الكلام.
نفس الراجل اللي كان بيناديني بصوته الهادي لما يرجع متأخر ويلاقيني قاعدة قدام التلفزيون.
ضوافري غرزت في إيدي من كتر التوتر.
في صوت تاني رد عليه.
ست..
صوتها حاد وقوي..
وعارفاه كويس.
“طبعًا مشيت.. دي بقت عاملة زي المكنة، بتروح وتيجي في مواعيدها.”
الحاجة كريمة..
حماتي.
الدنيا لفت بيا.
مسكت في شماعة جوه الدولاب عشان مقعش.
خطواتهم قربت..
دخلوا ناحية المكان اللي أنا فيه.
صوت أسر وطي شوية وهو بيقول:
“إنتِ قولتلها؟”
كريمة ردت:
“خوفتها.. خليتها تشك في نفسها عشان لو اشتكت للناس يبان إنها بتتوهم.”
أسر قال بضيق:
“لازم متشكش في أي حاجة لحد ما الورق يمضي.”
ورق؟
ورق إيه؟
سمعت صوت درج بيتفتح..
الحاجة كريمة بتطلع مفاتيح..
وصوت ورق بيتحرك.
وبعدين أسر .
وقال:كريمة زعقت بصوت واطي:
“أنا سيطرت على حزنها.. سيطرت على المراسم.. سيطرت على التقرير.. متدينيش دروس!”
تقرير..
الكلمة دي خلت قلبي يتجمد.
افتكرت اليوم اللي قالولي فيه إن كل حاجة انتهت.
افتكرت مراسم الوداع..
والشخص اللي كان بعيد عن الأنظار..
والحاجة كريمة وهي ماسكة كتفي وبتقولي:
“متبصيش يا ليلى.. خلي صورته وهو عايش في خيالك.”
أنا طاوعتها..
لأني كنت مكسورة.
لأني وثقت فيهم.
لأن الستات بيتقالهم إن الحزن ملوش حق يسأل أسئلة.
أسر بدأ يتحرك.
باب الدولاب اتهز لما مر من جنبه.
كنت شايفة جزء منه بس من الفتحة الصغيرة.
إيد..
ساعة..
ساعته!
الساعة الفضة اللي كنت مهدياها له في عيد جوازنا التالت.
جوزي اللي كنت فاكرة إنه اختفى من حياتي، واقف قدامي ومرتدي ساعته!
كريمة قالت:
“موضوع التأمين كان سهل.. الشركة صدقت التقرير وصرفوا المبلغ.”
معدتي قلبت.
أنا بشتغل في التأمين.
قضيت سنتين بخلص مطالبات ناس تانية، وعمري ما شوفت الخداع اللي كان بيحصل في حياتي أنا.
أسر ضحك ببرود:
“ليلى طول عمرها بتصدق الورق.”
الضحكة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
لأني عيطت عليه دم..
لأني كنت ببوس صورته كل يوم الصبح..
لأني رفضت أقلع الدبلة لمدة شهور..
لأني كنت بحضن قميصه القديم كل ليلة.
وهو كان عايش في مكان ما..
وبيضحك على إخلاصي.
كريمة وطيّت صوتها:
“المحامي بيقول إن نقل ملكية البيت هيخلص الأسبوع الجاي.. أول ما تمضي هي على إقرار استمرار الحالة دي، كل حاجة هتتحول للمؤسسة.”
أسر قال:
“هتمضي.. دي لسه فاكرة إني كنت بحبها.”
عيني كانت بتحرقني.
عضيت على صوابعي عشان أمنع نفسي من إصدار أي صوت.
وفجأة..
الموبايل هز في صدري.
هزة واحدة بس.
بالنسبة لي، كان صوتها زي الرعد في المكان.
الاتنين سكتوا فجأة.
هدوء شديد.
قلبي كان بيخبط في ضلوعي لدرجة إني خوفت يسمعوه.
كريمة همست:
“سمعتي ده؟”
أسر قرب من الدولاب.
جزمته وقفت على بعد سنتيمترات من الباب.
كنت شايفة خياله من الفتحة.
“ليلى؟”
نده بصوت واطي.
روحي كانت بتتسحب مني.
نفس الصوت..
نفس الحنية..
نفس الفخ.
حط إيده على مقبض الدولاب.
الخشب طلع صوت تزييق.
كريمة قالت:
“لأ.. دي مشيت.. أنا شوفتها وهي ماشية.”
أسر متحركش.
وفجأة ضحك من بين سنانه.
“عارفة إيه المضحك في الموضوع يا ماما؟”
“إيه؟”
“إنها لو عرفت إني لسه موجود، أول سؤال هتسأله مش ليه عملت كده.”
باب الدولاب اتفتح سنتيمتر واحد كمان.
خيط نور ضرب في وشي.
صوت أسر بقى أقرب لودني من أي وقت فات.
“هتسألني يا ترى الشخص اللي اتحط اسمه في التقرير كان مين؟”
الدولاب اتفتح سنتيمتر واحد بس.
مبقتش أتنفس..
مبرمشتش بعيني.
لو أسر كان شد الباب للأخر، كان هيلاقيني مستخبية بين البلوفرات القديمة وشيلان الشتاء، وموبايلي محطوط على صدري بيسجل كل كلمة.
لكن فجأة الحاجة كريمة زعقت:
“بطل تضيع وقت، اليوم هيخلص والناس هتحس.”



