
عدت السنة الأولى، والتانية.. وأنا عايش في القاهرة في عالم تاني خالص. فسح، وسهر، وحياة طول وعرض، ولا على بالي ولا كأني أثرت على حياة إنسانة. وهي هناك في البلد، عايشة في ضغط ما يعلم بيه إلا ربنا، تحت نظرات صعبة وشك من القريب والبعيد. بس رغم كل ده، عرفت إنها مكانتش بتستسلم، كانت بتقاوم وتروح جامعتها كل يوم، عشان ما تخسرش كل حاجه.
وبعد سنتين من الحياة اللي اخترتها، اتعرفت على زميلتي في الشغل، البنت اللي كنت بحلم بيها بجمالها وثقافتها. اتصلت بأبويا وقلتله إني هتجوز. أبويا وأمي جوم القاهرة وحضروا الفرح، وشوشهم كانت باهتة ومتضايقة، مش راضيين عن العيشة ولا الجوازة، بس مكانش عندهم القدرة إنهم يعارضوني بعد اللي حصل بسببي.
مرت ٥ سنين كاملة على ليلة الطلاق الصعبة دي.. ٥ سنين وأنا مقطوع عن البلد، عايش حياتي بالطول والعرض ومطمن إن الصفحة دي اتقفلت للأبد.
وبعد الـ ٥ سنين قررت أرجع البلد، أخدت مراتي في إيدي ورحت وانا للحقيقة مكنتش عارف ازاي هشوف منار وأحط عيني في عينها بعد اللي حصل بس كان لازم أرجع مش هينفع أفضل هربان على طول
دخلت البيت وأنا فاكر إني حققت كل اللي نفسي فيه.. لكن اللي كان مستنيني هناك، صدمة عمرها ما جت على بالي، ولا تخيلت إنها ممكن تحصل…
أول ما خطيت عتبة البيت، لقيت الهدوء اللي يخنق. أبويا قاعد على الكنبة، وبجنبه عمي! أيوه، عمي اللي كنت فاكر إنه بعد عني للأبد، قاعد بيبصلي بجمود لا فيه كره ولا فيه لهفة.. كان في نظرة “شبع من كل حاجة وما بقاش فارق معاه حاجة”.
مراتي كانت ماسكة في إيدي، بتبص للبيت الريفي بضيق متداري، وفجأة سمعت صوت خطوات نازلة من على السلم.. صوت واثق، موزون، له هيبة.
رفعت عيني.. ومكنتش هي!
دي مش منار الهادية، البنت البسيطة اللي كانت بترتعش. دي كانت ست تانية خالص. لابسة بدلة رسمية شيك جداً، رافعة شعرها، في عينيها لمعة ثقة وقوة كبيرة. منار اتخرجت من الجامعة بامتياز، ومسكت شركة مقاولات كبرت في المحافظة، وبقت هي اللي بتدير أرض أبويا وأرض عمي وكل الشغل!
أبويا بصلي وقال بصوت جاف: “أهلاً يا باشمهندس.. أديك رجعت بعد ما شبعت. سلم على الدكتورة منار.. الشريكة الكبيرة في كل حاجة نملكها”.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. منار قربت مني بخطوات ثابتة، بصت لمراتي وابتسمت ابتسامة مجاملة راقية، وبعدين بصتلي بثبات: “حمد الله على السلامة يا ابن عمي.. نورت بيتك”.
المفاجأة الأكبر مكنتش بس في شكلها ومكانتها.. الصدمة الحقيقية لما عمي وقف وقالي




