
صوت قفل الخط من ناحية مريم كان وراه دوشة السنين. أنا فضلت قاعدة على الرصيف، الكرتونة فوق رجلي، وشمس الساعة عشرة بدأت تحمي وتلسع في وشي، بس البرود اللي كان جوايا كان كفيل يجمّد المحيط. بصيت لبرج “الهواري للغزل والنسيج والملابس الجاهزة”، البرج اللي طول عمري بشوفه حتة من قلب جدي الله يرحمه، مش مجرد خرسانة وزجاج.
مدحت ريفاز.. قصدي مدحت السيوفي، المحروس جوز صافي بنت خالتي شاهيناز (اللي هي المديرة العامة للشركة بالتعيين مش بالورث)، افتكر إن الدنيا سايبة، وافتكر إن الست اللي قاعدة في مكتب الحسابات بتراجع وراه الفواتير وبتطلع عينه في كل مليم يصرفه على الدعاية والمنظرة، مجرد موظفة غلبانة ملهاش ضهر، معرفش إن “كلارا” هو الاسم اللي جدي اختاره ليا عشان أمي كانت يونانية الأصل، بس الاسم الكامل في شهادة الميلاد والبطاقة هو “كلارا رأفت أحمد الهواري”.
شيلت الكرتونة وحطيتها في شنطة عربيتي الـ “سوزوكي” القديمة، اللي مدحت كان بيتريق عليها ويقول لصافي “مش منظر واجهة للشركة دي تركب البتاعة دي”، ركبت ودورت العربية، ومشيت وأنا باصة في المراية على بوابة الشركة، وعارفة إن الخطوة الجاية مش هتبقى في المحاكم، لأ.. إحنا مبندخلش المحاكم مع عيالنا، إحنا بنحاسبهم في البيت، وفي سوق العمل اللي جدي سابنا أسياد فيه.
وصلت بيتي في المعادي، شقة قديمة وسقفها عالي، مريحة للأعصاب. قعدت على الكنبة وطلعت تليفوني، مفيش خمس دقايق ولقيت الشاشة بتنوّر بـ “شاهيناز الهواري”.. خالتي.
فتحت الخط وسبتها تتكلم الأول، وجالي صوتها المرعوب والنهجان باين فيه:
“كلارا! إنتي فين يا بنتي؟ إيه اللي حصل ده؟ مدحت جاله هبوط وضغطه علي والمستشار القانوني قاعد عندي في المكتب وشه جايب ألوان!”
رديت ببرود شديد وأنا بشرب بوق مياه سساقعة:
“حصل خير يا خالتي، جوز بنتك المصون طردني، قاللي بنجدد دماء الشركة، وأنا بصراحة قولت أريح، تسعتاشر سنة تعب كفاية عليا لحد كده، وخدت كرتونتي ومشيت.”
“يا كلارا يا بنتي مدحت مكنش يعرف! إنتي عارفة إنه لسه جديد وميعرفش فروع العيلة، وإنتي طول عمرك مسجلة في دفاتر المرتبات باسم (كلارا رأفت) بناء على رغبة أبوكي الله يرحمه عشان محدش يقول كوسة، مدحت افتكرك موظفة عادية من القدام.. ده هيموت من الرعب يا بنتي، تعالي دلوقتي حالا والموضوع هينتهي ومدحت هيعتذرلك قدام الشركة كلها!”
ابتسمت وقولت:
“يعتذر لمين يا شاهيناز؟ هو طرد كلارا رأفت الموظفة، وأنا مش زعلانة منها، بس قولي لمدحت إن (كلارا الهواري) صاحبة الـ ٣٥٪ من أسهم شركة المحاصيل ومصنع الغزل الرئيسي هي اللي هتقابله بكرة.. بس مش في المكتب، في اجتماع مجلس الإدارة الطارئ اللي أنا ديت أمر للمحامي يجهزه دلوقتي حالا.”
قفلت السكة في وشها من غير ما أسمع ردها. الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة. شاهيناز ماسكة الإدارة آه، بس بالتوكيل وتسيير الأعمال، والنسبة الأكبر من الأسهم متوزعة بيني وبين عمامي اللي عايشين برة ومفوضيني في كل حاجة. جدي سابلي “حق الفيتو” في أي قرار مصيري، ومدحت العبقري قرر يطرد اليد اللي بتأكله عيش.
ساعتين بالظبط والباب خبط برزع غريب. فتحت ولقيت مدحت واقف، بدته الشيك مبهدلة، كرافتته مفكوكة، والـ “جل” اللي كان لcurrency في شعره سايح من العرق والتوتر، ووراه صافي بنت خالتي واقفة بتعيط ومستخبية وراه.
مدحت حاول يبتسم ابتسامة صفرا تداري الخوف اللي في عينيه، وقال وصوته بيرتعش:
“أبلة كلارا.. أنا.. أنا بجد مش عارف أقول إيه، سوء تفاهم غبي جداً، مكنتش أعرف إنك..”
قاطعته وأنا واقفة على الباب ومارستش أدخلهم:
“مكنتش تعرف إني من أصحاب المكان؟ يعني لو كنت موظفة غلبانة فعلاً ومليش ضهر، كان عادي تطردني بالمنظر المهين ده؟ وتحدف في وشي كرتونة وتخليني فرجة للي يسوى واللي ميسواش؟”
صافي اتدخلت وهي بتمسح دموعها بـ “كلينكس”:
“عشان خاطري يا كلارا، مدحت كان مضغوط من تقارير الربع السنوي، وكان فاكر إن الست اللي في الحسابات هي اللي مأخرة الشغل، والله ما يقصد، إحنا لسه متجوزين جديد وبيتك ده مفتوح بسببه، لو خسرتي الإدارة، مدحت هيروح في داهية!”
بصيت لصافي بشفقة، البنت دي طول عمرها عايشة في مية البطيخ ومبتفهمش في البيزنس، ومدحت اتجوزها بس عشان يوصل للكرسي. بصيت لمدحت وقولتله:
“يا سيادة المستشار التجاري، يا صاحب الأفكار الحديثة والـ “باور بوينت”.. الشغل مفيش فيه ‘خاطري’، إنت طردتني الساعة ٩:١٤، وأنا الساعة ٩:١٥ كنت شيلت إيدي من السيستم الرئيسي للشركة.. تفتكر تسيير الشغل هيمشي إزاي بكرة؟”
مدحت وشه اتقلب أزرق. هو لسه مأخدش باله من الكارثة التانية. السيستم المحاسبي والربط بين المصانع والموردين في بروجرام مشفر أنا اللي عاملاه ومحدش يملك الباسورد الإداري بتاعه غيري، ومن غيره، المصانع مش هتعرف تصرف خامات، والعربيات مش هتتحرك من المخازن، والجمارك هتحجز على الشحنات اللي واصلة إسكندرية بكرة الصبح.
مدحت قال بلهفة وصوت يشبه الفحيح:
“يعني إيه؟ السيرفر واقف برضه؟ المهندسين بتوع الآي تي قالوا إن فيه عطل فني ومش عارفين يدخلوا على الحسابات ولا أوامر التوريد!”
ضحكت بصوت عالي:
“عطل فني؟ لأ يا مدحت يا حبيبي، ده مش عطل، ده (السيستم) اللي قفل أوتوماتيك أول ما اسمي اتشال من كشوف الموظفين الفعليين، النظام متبرمج كده من سنين لحماية البيانات.. ودلوقتي، الشحنة اللي جاية من برة بقيمة ٢ مليون دولار هتقف في المينا، وغرامة الأرضية هتبدأ تتحسب من بكرة الساعة ٨ الصبح.. وطبعاً إنت اللي هتحاسب عليها من جيبك، أو من أسهم مرتك.”
مدحت رجع خطوة لورا وصافي صرخت:
“يا كلارا حرام عليكي! ه تخربي بيتنا عشان قلم وكام صورة؟”
“لأ يا صافي”، قولتلها وجوايا قوة عمري ما حسيت بيها قبل كده، “أنا بحمي ورث جدي من عيل عاير ببدلة إيطالي فاكر إن الإدارة منظرة وزعيق وطرد للغلابة، بكرة الساعة ١٠ الصبح، اجتماع مجلس الإدارة في قاعة الملوك بالشركة، إنتي وأمك وجوزك هتحضروا.. وهناك هتعرفوا كلارا الهواري هتعمل إيه.”
قفلت الباب في وشهم، وسبتهم في الممر يتخانقوا وصوت زعيق مدحت لصافي وهو بيلومها إنها معرفتهوش فروع العيلة كان واصل لجوه الشقة.
طول الليل تليفوني ميسكتش. خالتي شاهيناز بتعيط، وعمامي من لندن وإيطاليا بيكلموني يسألوا إيه اللي بيحصل، وقولتلهم جملة واحدة: “مدحت بيبدد أموال الشركة وبيطرد الكفاءات عشان يعين صحابه، والسيستم قفل بسببه”. عمامي وافقوني على طول وقالوا لي: “إحنا معاكي يا كلارا، والتوكيل العام معاكي، اتصرفي واحمِي شقى أبويا”.
تاني يوم الصبح، الساعة جابت تسعة. لبست أشيك طقم عندي، فستان أسود كلاسيك وعليه جاكيت رمادي راقي، ولميت شعري ولبست النضارة الشمس، ونزلت. المرة دي مركبتش السوزوكي، اتصلت بالسواق بتاع جدي اللي لسه شغال معانا، وقولتله يجيب العربية “المرسيدس” السودا الكبيرة اللي كانت مركونة في جراج العيلة ومبتطلعش غير في المناسبات الرسمية.
الساعة ٩:٤٥ العربية وقفت قدام بوابة الشركة. الأمن اللي كان مكسوف مني بالأمس، جري يفتح باب العربية، ودخلت البهو الرئيسي بكل هيبة. الموظفين كانوا واقفين على الجوانب بيتودودوا، الإشاعة انتشرت زي النار في الهشيم: “أبلة كلارا طلعت صاحبة الشركة ومطردتش، دي نازلة تقلب الترابيزة”.
طلعت بالأسانسير الخاص، اللي مدحت كان مانع أي حد يركبه غيره هو وصافي. باب الأسانسير فتح على الدور الأخير، قاعة الاجتماعات الكبرى. دخلت، ولقيت شاهيناز قاعدة على رأس الترابيزة ووشها باهت، وصافي قاعدة بتعيط، ومدحت واقف جنب الشباك عمال يأكل في ضوافره، والمستشار القانوني للشركة، الأستاذ عادل، قاعد وحاطط قدامه ملفات كتير.
أول ما دخلت، مدحت جري عليا وقال:
“كلارا.. أرجوكي، الباسورد بتاع السيستم، العربيات واقفة في المينا والمستخلص بيتصل بيا كل دقيقة، الغرامات هتخرب بيتنا!”
قعدت على الكرسي اللي في مواجهة خالتي، ومبصتلوش أصلاً، ووجهت كلامي للأستاذ عادل:
“جاهز يا متر؟”
عادل هز رأسه بجدية: “جاهز يا فندم بناء على طلب أصحاب الأسهم الإيجابية (٧٠٪ من القيمة الإجمالية للشركة)”.
مدحت تنح وقال: “أسهم إيه واجتماع إيه؟ أنا المدير التنفيذي هنا بقرار من رئيسة مجلس الإدارة!” وشاور على شاهيناز.
شاهيناز اتكلمت بصوت ضعيف ومكسور: “اسكت يا مدحت.. اسكت خالص وضيعتنا بغبائك.”
الأستاذ عادل فتح الملف وقال بصوت جهوري:
“بناءً على البند الرابع من لائحة تأسيس مجموعة شركات الهواري، يحق لصاحب الكتلة التصويتية الأكبر عزل المدير التنفيذي وتجميد صلاحيات الإدارة العامة في حالة وجود خطر يهدد أصول الشركة أو يتسبب في خسائر مادية فادحة نتيجة سوء الإدارة.. وبما أن السيد مدحت السيوفي قام بوقف النظام المحاسبي للشركة (بشكل غير مباشر) وتسبب في تعطيل الشحنة رقم ٤٠٢ الواردة لميناء الإسكندرية، مما يرتب غرامات مالية باهظة، وبناءً على تفويض السادة الشركاء أحمد ومحمود الهواري للآنسة كلارا رأفت الهواري.. فقد تقرر الآتي:”
مدحت بدأ يعرق بغزارة، وحس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه، صوته اختفى وبقى بيوشوش: “تقرر إيه؟”
عادل بص في الورقة وكمل:
“أولاً: عزل السيد مدحت السيوفي من منصبه كمدير تنفيذي فوراً، ومنعه من دخول أي منشأة تابعة للمجموعة. ثانياً: تحميله شخصياً قيمة الغرامات الناتجة عن تأخير شحنة المينا من حسابه الخاص أو من الأرباح السنوية لزوجته السيدة صافي الهواري. ثالثاً: تعيين الآنسة كلارا الهواري رئيساً تنفيذياً ومفوضاً عاماً للمجموعة بصلاحيات مطلقة.”
صافي وقفت وهي بتصرخ: “إنتي بتنتقمي مني ومن جوزي يا كلارا؟ عشان طردك؟ دي شركة جدي أنا كمان!”
بصيت لصافي بهدوء وقولت: “دي شركة جدي اللي مات وهو لابس جزمه تراب عشان يكبرها، مش عشان يجي واحد فاشل زيك وزي جوزك يطردوا الناس اللي شيلوها على كتافهم.. مدحت طرد عم صابر بتاع المخازن الأسبوع اللي فات عشان مقملوش تعظيم سلام، وطرد محاسبين غلابة عشان يوظف أصحابه الخريجين الجداد اللي مبيفهموش في السوق.. أنا هنا مش بنتقم لنفسي، أنا هنا بنقذ المكان اللي إنتوا كنتوا هتحولوه لخرابة.”
مدحت بص لشاهيناز وقالها بلوم: “اتكلمي يا طنط! ه تسيبيهم يرمونا بره؟”
شاهيناز حطت إيدها على وشها وقالت: “أنا ماليش كلمة عليها يا مدحت.. كلارا معاها توكيلات عمامها، والسيستم في إيدها.. إنت اللي جبت ده كله لنفسك بغرورك.”
وقفت وفتحت اللاب توب بتاعي، وكتبت الباسورد الرئيسي، وبصيت لمدحت وقولتله:
“السيستم رجع اشتغل، والشحنة هتخلص، والشركة مش هتخسر مليم واحد.. بس إنت بره اللعبة.”
مدحت كان بيبصلي بنظرات كلها غل وحقد، لف ضهره ومشي بخطوات سريعة وخرج من القاعة وهو بيرزع الباب وراه، وصافي جريت وراه وهي بتعيط وتصرخ باسمه. شاهيناز بصتلي بأسف وقالت: “سامحيني يا بنتي، أنا سيبتله الحبل على الغارب وافتكرته بيفهم.”
قربت منها وبوست رأسها وقولت: “إنتي خالتي الكبيرة وعلى راسي، بس الشغل شغل يا شاهيناز، والشركة دي لازم ترجع لأصولها.”
خرجت من قاعة الاجتماعات ورحت لمكتبي القديم، لقيت الموظفين كلهم واقفين ومستنيين. مريم السكرتيرة كانت بتعيط بس المرة دي من الفرحة، وعم صابر بتاع المخازن كان واقف ورافع رأسه.
بصيتلهم وقولت بصوت عالي سمعه الدور كله: “عم صابر.. ارجع لمكتبك، وكل المحاسبين والموظفين اللي مدحت مشى المرة اللي فاتت يرجعوا أشغالهم من بكرة ومرتباتهم هتزيد ١٥٪ تعويض عن اللي حصل.. إحنا هنا عيلة واحدة، ومحدش هيمشي من هنا طول ما أنا عايشة.”
المكتب كله اتملى بصوت الصقفة والزغاريط من البنات، وحسيت بروح جدي الحج أحمد بتلف حواليا وبتقولي “عفارم عليكي يا بنتي.. صنتي الأمانة”.
عدى أسبوعين على الموضوع ده، والشغل رجع أحسن من الأول بكتير، وبدأت أصلح كل العك اللي مدحت عمله في الحسابات والعقود. مدحت وصافي قعدوا في البيت، وشاهيناز لزمت بيتها هي كمان وقررت تتقاعد وتسيب الإدارة ليا بالكامل.
وفي يوم، كنت قاعدة في مكتبي الجديد (مكتب المدير العام الكبير)، وبشرب قهوتي في نفس المج بتاعي اللي كان في الكرتونة، وبصيت للقلم الفضة اللي على مكتبي وافتكرت كل اللي حصل. الدنيا لفت بسرعة أوي، وفي أقل من شهر بقيت أنا اللي بدير الإمبراطورية دي كلها.
فجأة، الباب خبط، ودخل المستشار القانوني الأستاذ عادل، وشه مكنش مطمن خالص، وكان ماسك في إيده أوراق تانية خالص، ملامحه كانت متوترة بطريقة خلقت جوايا رعب مفاجئ.
وقفت وقولتله: “خير يا أستاذ عادل؟ في حاجة تانية في الحسابات؟”
عادل قفل الباب وراه وقرب من مكتبي ببطء، وحط الورق قدامي وقال بصوت واطي جداً:
“كلارا.. إحنا في مصيبة أكبر بكتير من مدحت وطيشه.. وأنا مكنتش قادر أتكلم قدام شاهيناز أو أي حد من العيلة.”
قلبي انقبض وسألته: “مصيبة إيه؟ اتكلم عل طول!”
عادل بلع ريقه وبص في عيني وقال:
“مدحت مكنش بيصفي الموظفين عشان غبي أو مغرور يا كلارا.. مدحت كان بينفذ خطة مدروسة لنقل أصول ومصانع المجموعة لشركة تانية وهمية مسجلة برة مصر.. والورق ده بيثبت إن الحج أحمد الهواري، جدك.. قبل ما يموت بشهر واحد، وقع على تنازل عن نص أملاك الشركة لشخص مجهول، والتوكيل ده اتفعل من أسبوعين بالظبط.. باسم مدحت السيوفي!”
دمي اتجمد في عروقي، وبصيت للورق وأنا مش مصدقة، جدي يتنازل عن أملاكه؟ ومدحت معاه توكيل رسمي؟ يعني كل اللي عملته كان مجرد بداية لحرب حقيقية، ومدحت لسه مخلصش وراق اللعبة الكبيرة اللي هتهد العيلة كلها..




