صحة و جمال

د وقف الزمن في الصاله

مريم كانت واقفة تتفرج عليهم. المشهد اللي كان المفروض يكسرها، بقى هو اللحظة اللي حررتها تماماً. التفتت لطارق وطلعت من شنطتها حاجة أخيره… ملف أزرق صغير، كانت حطاه تحت الدوسيه الكرتون.

رمته على صدر طارق، فالملف وقع على الأرض بين جزمته.

— إيه ده كمان؟ — طارق سأل بصوت مرعوب، والمرة دي الرعب كان حقيقي.

— دي دعوى طلاق للضرر، ومعاها بلاغ للنيابة العامة بتهمة اختلاس مبالغ مالية من حساب مشترك بغير علم الشريك، وبلاغ ثاني بالاعتداء والتسبب في إصابات طفيفة… والتقرير الطبي أهو، عملته في المستشفى قبل ما أجي العيد ميلاد بساعة، لما زقيتني في البيت الصبح عشان قلت لك مش هدي المفاتيح لندى.

طارق بص للملف وهو مش مصدق:

— أنتِ… أنتِ كنتِ مرتبة كل حاجة؟ أنتِ جاية هنا عشان تدمريني؟

مريم قربت منه، لحد ما بقت فاصلة بينهم سنتيمترات قليلة. بصت في عينيه بقوة يخاف منها أي راجل:

— أنا ما دمرتكش يا طارق. أنت اللي دمرت نفسك لما افتكرت إن سكاتي ضعف، وأن أدبي عبودية. أنت وعيلتك فاكرين إن عشان ماليش أخ يقف لي، يبقى ماليش حد. نسيتوا إن عندي ربنا، وعندي شغلي، وعندي عقلي اللي عملت بيه كل جرة قلم في ثروتك اللي فاكر نفسك بانيها.

التفتت للحاجة زينات وقالت بنبرة هادية ومحترمة:

— يا طنط زينات… كل سنة وحضرتك طيبة. العيد ميلاد ده مش هنساه طول عمري، لأنه اليوم اللي اتولدت فيه من جديد.

وبصت لندى اللي كانت واقفة تبكي من الخزي:

— والعربية اللي كنتِ عايزة تسافري بيها إسكندرية؟ خلي أخوكي يجيب لك غيرها… لو عرف يخرج من القضايا اللي رفعتها عليه.

مريم شالت شنطتها على كتفها، حطت مفاتيح اللكزس البيضا في جيبها، ومشيت بخطوات واثقة ناحية الباب.

طارق جرى وراها، مسك كتفها عند العتبة:

— مريم! استني! مش هتمشي كده! نتكلم جوة، وحقك عليّ، هبوس رأسك قدامهم كلهم، وهخلي ندى تعتذر لك، بس بلاش قضايا ونبي، بلاش تخربي بيتنا!

مريم بصت لإيده اللي ماسكة كتفها، وبعدين بصت في وشه بجمود يقطع العرق والسلسال:

— شيل إيدك. عشان لو ما شلتهاش دلوقتي، البلاغ اللي في النيابة هيبقا فيه محضر عدم تعرض وحبس احترازي.

طارق سحب إيده كأنه اتلسع.

مريم فتحت الباب الحديد، ونزلت السلم خطوة بخطوة، وصوت كعب جزمتها يرن في العمارة بثبات ويقين. خرجت للشارع، هوا السيدة زينب الدافئ ضرب في وشها، حست إن الرئة بتاعتها بتتنفخ بالهوا لأول مرة من ست سنين.

ركبت عربيتها، شغلت الموتور، وبصت في المراية. خدها كان لسه أحمر، بس عينيها كانت بتلمع بنصر ما حسوش قبل كده.

حطت موبايلها على الشاحن، وفجأة الموبايل رن.

كان رقم غريب.

ردت بصوت هادي:

— ألو؟

صوت راجل جاد، فخم، جه من الناحية الثانية:

— أستاذة مريم Torres؟ (مريم)؟

— أيوه، مين معايا؟

— أنا الأستاذ هشام المليجي، المحامي بتاع الشركة الألمانية للأجهزة الطببة. أنا بكلمك بناءً على الملف اللي أرسلتيه للإدارة القانونية الصبح.

مريم ضيقت عينيها وركنت العربية على جنب الشارع:

— أيوة يا أفندم… خير؟

المحامي سكت لحظة، وبعدين قال بصوت منخفض ومحذر:

— يا أستاذة مريم… الورق والمعاملات المالية اللي أنتِ بعتيها عشان تثبتي الاختلاس… فيها مشكلة كبيرة جداً. طارق جوزك ما كانش بيحول الفلوس لحسابه وحساب أخته بس.

مريم حست بقلبها دقاته بتسرع:

— يعني إيه؟

— يعني التحويلات دي مجرد واجهة لعمليات غسيل أموال قادمة من شبكة تهريب أدوية مغشوشة… والأسماء اللي موجودة في كشوف الحسابات اللي أنتِ بصمتِ عليها بصفتك شريكة في الحساب… حطتك أنتِ شخصياً على رأس قائمة المتهمين، وصدر ضدك قرار ضبط وإحضار من النيابة الأموال العامة من نص ساعة!

مريم اتسفح الدم من وشها، والموبايل بغى يقع من إيدها.

وفي نفس اللحظة… جرس إنذار عربيات الشرطة (السرينة) بدأ يعلى ويقرب من الشارع اللي هي واقفة فيه، وأنواره الحمرا والزرقا بدأت تعكس على زجاج عربيتها الملاكي…

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى