العالمية

د التسجيل الصوتي

التسجيل الصوتي كان لسه بيتردد في أركان الأوضة زي صدى الصاعقة. صوت “حسن” وهو بيضحك ويهزر، وصوت “أحمد” وهو بيرتب الخطوة الجاية مع المحامي، ونبرة “دعاء” وهي بتتحسب على القرشين اللي أمها بتطلعهم لله.. كل ده كان بينزل على قلب فاطمة كأنه مية نار.

الجرح اللي في صدرها من أثر العملية كان بيهون قصاد الشرخ اللي اتفتح في روحها.

ممدوح قفل الموبايل وحطه في جيبه بالراحة. بص للحجة فاطمة اللي كانت مسمرة عينيها في السقف، دموعها نازلة من غير ولا صوت، من غير حتى شهقة. الصدمة كانت أكبر من أي صراخ.

قرب الكرسي أكتر، وطبطب على إيدها اللي كانت بتترعش: “يا حجة فاطمة.. أنا عارف إن الوجع أتقل من إن أي بني آدم يتحمله، بس ربنا سبحانه وتعالى مش بيجيب حاجة وحشة. ربنا صحاكي من البنج في الوقت المناسب، وجابني هنا في الوقت المناسب، عشان حقك ميروحش.”

فاطمة بلعت ريقها بالعافية، وصوتها طلع مخنوق، مقطوع: “ولادي يا ممدوح؟ ولادي اللي أنا لحمي اتبرى عشانهم؟ أحمد اللي كنت ببيع غوايشي عشان أدفعله مصاريف الدروس؟ دعاء اللي كنت بأكل العيش الحاف عشان أجيب لها طقم شيك تتجوز بيه؟ وحسن.. حسن اللي كنت ببات بألم كليتي وأقول معلش عشان أصرف على معهد المبيعات بتاعه؟ يبيعوني بـ parking؟ ويدوروا يحجروا عليا؟”

“اللي يبيع أمه يا حجة، ميبقاش ابن.. يبقى غريب. والريب ملوش غير الأصول والقانون.” ممدوح قالها بنبرة صلبة، فيها قوة راجل عاش في السوق وعرف إزاي ياخد حقه وحق غيره.

فتح الشنطة الجلد بتاعته تاني، وطلع منها ملف أصفر. بص لشاشة جهاز القلب، لقى النبض بدأ ينتظم شوية. الممرضة كانت واقفة عند الباب عينها مدمعة، مش مصدقة القسوة اللي سمعتها في التسجيل. ممدوح بصلها وقال بنبرة آمرة بس هادية: “يا بنتي، هاتي كوباية مية بدبة ليمون ودوا الضغط للحجة، ومحدش يدخل الأوضة دي خالص مهما حصل.. فاهمة؟”

الممرضة هزت رأسها بسرعة: “تحت أمرك يا ممدوح بيه، والله العظيم قلبي بيتقطع عليها.. مش هسيب كلب فيهم يخطو العتبة.”

خرجت الممرضة، وممدوح التفت لفاطمة: “دلوقتي يا أمي.. إحنا قدامنا طريقين. طريق العاطفة، إنك تسكتي وتعيطي وتسبيهم وياخدوا البيت والقرشين اللي حايلاهم للزمن، وبعدها يرموكي في دار مسنين أو يسيبوكي تموتي بقهوتك. والطريق الثاني.. إننا نعلّمهم درس العمر، ونعرفهم إن الأم اللي ربت وعملت رجال، تقدر تكسر العاصية وتوقف كل واحد عند حده.”

فاطمة غمضت عينيها. شريط حياتها كله مر قدامها في ثواني. افتكرت شتا Portales والأيام اللي كانت بتقوم فيها الساعة أربعة الفجر عشان تجهز قدرة الفول وطاسات الطعمية. افتكرت إيديها اللي كانت بتشقق من المية الساقعة والصابون وهي بتغسل بلاط البيوت عشان تجيب مصاريف المدارس. افتكرت لما كانت بتستخسر تأكل حتة فرخة وتسيبها لـ “أحمد” عشان عنده امتحان، أو تشتري قماش وتفصله بنفسها لـ “دعاء” عشان متحسش إنها أقل من زميلاتها.

فتحت عينيها. اللمعة الحزينة الانكسارية اللي كانت فيها اختفت.. وتحولت لشرارة ناشفة، شرارة ست شافت المر وماهابتهوش، والنهاردة شافت الخيانة ومش هتعديها.

“عايزة أكسرهم يا ممدوح..” فاطمة قالتها بصوت واطي بس ثابت كأنه الجبل. “عايزة أعرفهم إن فاطمة المليجي مش هي اللي تترامي في آخر عمرها.”

ابتسامة خفيفة ظهرت على وش ممدوح: “هو ده الكلام. اسمعيني بقى كويس.. المحامي بتاعي، المستشار رفعت المحامي الكبييير، واقف بره. ومعاه ورقتين.. الأولى، إعلام وراثة ووصية بإن كل أملاكك — البيت اللي في السيدة زينب، والشقة اللي في Portales، وحسابك في البنك — تروح بالكامل لأعمال الخير، وللمستشفى بتاعنا لعلاج الأطفال بالمجان.. مع حق الانتفاع ليكي طول حياتك طبعاً.”

فاطمة بصتله: “والورقة الثانية؟”

“الورقة الثانية هي بلاغ للنيابة العامة بتهمة الشروع في النصب والتزوير ومحاولة سلب أهلية، مدعوم بالتسجيلات الصوتية وتفريغ كاميرات المستشفى، وتقارير طبية رسمية صادرة من المستشفى دي بتمهر إن عقلك أوزن من جبل، وإن صحتك النفسية مية المية.”

فاطمة هزت رأسها: “لأ.. النيابة والحبس دلوقتي لأ.”

ممدوح استغرب: “ليه يا حجة؟ دول كانوا هيحبسوكي في جسمك!”

“عشان الحبس هيخليهم يعملوا فيها مظلومين ويقولوا ‘أمنا رمتنا’.. أنا عايزة الفضيحة تبقى على عينك يا تاجر. عايزة كبرياءهم يتدس تحت الجزم قدام الناس كلها.. وبعدين القانون ياخد مجراه.”

ممدوح ضحك بصوت واطي: “والله العظيم إنتِ أستاذة! طب اسمعي الخطة دي بقى..”

بعد ساعتين كاملين.. الساعة كانت دخلت على ستة المغرب.

الشمس كانت بدأت تغيب، ولون السماء تحول لرمادي كئيب فوق القاهرة.

في الكوريدور بتاع الدور الثالث في مستشفى السلام الدولي، كانت الخطوات الجارية بترن على السيراميك الأبيض.

أحمد دخل وهو بيمسح عرقه بمنديل، لابس بدلته الكحلي اللي شكلها شيك بس باين عليها الإرهاق. وراه كانت دعاء ماشية بتهبد بجدزمتها العالية، ماسكة شنطة براند تقليد ووشها مكشر. وأخيراً حسن، لابس كاجوال، وماسك موبايله في إيده وبيقلب فيه ببرود.

“أنا بقولك اهو يا أحمد، الليلة دي لازم تخلص!” دعاء كانت بتهس بصوت واطي وهي ماشية جنب أخوها. “المحامي قال إن التقارير المبئية لو طلعت النهاردة، بكرة الصبح هنرفع القضية. المشكلة إن المحامي طلب عشرة آلاف جنيه تحت الحساب وأنا معاييش ولا مليم!”

أحمد بص لها بغضب: “اسكتي يا دعاء! ما أنا اللي دفعت للمحامي من جيبي! المهم دلوقتي ندخل، نعيط لنا كلمتين، ونقولها إننا كنا بنجيب دوا مش موجود في صيدلية المستشفى، عشان متعملش مناحة.”

حسن ضحك بشرود وهو بيفر في الموبايل: “يا عم هي أصلاً هتلاقيتها غايبة عن الوعي من البنج.. الأمور سهلة. بس أهم حاجة البيت بتاع السيدة زينب، الزبون اللي كلمني فيه جاهز يدفع أربعة مليون كاش.. أربعة مليون يا أحمد! يعيدوا تشغيل حياتنا كلنا!”

وصلوا قدام باب الأوضة رقم 308.

أحمد ظبط كرافتته، ودعاء ضربت خدودها خفيف عشان تحمر وتبان كأنها كانت بتعيط، وحسن حط الموبايل في جيبه ورسم وش الحزن والألم.

أحمد مسك مقبض الباب وفتحه بالراحة وهو بينادي بصوت مليان شجن مزيف: “أمي! يا حبيبتي يا أمي! الف سلامة عليكِ يا غالية! الحقونا يا ناس، الطريق كان واقف وموتنا على ما جينا!”

دخلوا التلاتة الأوضة.. بس الخطوات اتجمدت في مكانها.

الأوضة مكنتش ضلمة ولا هادية زي ما توقعوا.

فاطمة كانت قاعدة على السرير، ساندة ظهرها على المخدات، لابسة جلابية بيضا نظيفة، وشال كشمير دافي على كتافها. مكنش في إيدها خراطيم ولا محاليل.. كانت مسكة كوباية شاي بالنعناع وبترشف منها بهدوء شديد.

وعلى الكراسي اللي في الأوضة.. مكنوش لوحدهم.

كان قاعد راجل ببدلة فاخرة وشعر أبيض (ممدوح)، وجنبه راجل تاني لابس نظارة طبية وماسك في إيده شنطة سامسونايت ضخمة (المستشار رفعت)، وفي زاوية الأوضة كان فيه راجلين تانيين.. لابسين بدلات سودة ورتب ميري تلمع على كتافهم! ظابط برتبة مقدم ومعاه أمين شرطة ماسك دفتر تسجيلات!

“أ.. إيه ده؟” أحمد اتلعثم، ورجله رجعت خطوة لورا تلقائياً.

دعاء شهقت وحطت إيدها على بؤها. حسن بص للظابط وبص لأمه، واللون هرب من وشه تماماً.

فاطمة حطت كوباية الشاي على التربيزة اللي جنبها بالراحة. الصوت بتاع الفنجان وهو بيلمس الطبق كان هو الصوت الوحيد في الأوضة.

بصلتهم.. نظرة طويلة، باردة، خالصة من أي عاطفة. نظرة غريب بيبص لغرباء.

“تأخرتم ليه يا ولادي؟” فاطمة قالتها بصوت هادي أوي.. هدوء يسبق الإعصار. “الـ parking كان غالي للدرجادي؟”

أحمد ارتبك، ووشه بقى أصفر زي الليمونة: “أمي.. إيه.. إيه الكلام ده؟ إحنا.. إحنا كنا بنلف على صيدليات العزبي والطرشوبي عشان نجيبلك دوا مستورد الدكتور طلبه.. الـ parking إيه بس؟ مين قالك الكلام الفاضي ده؟”

دعاء جرت على السرير تحاول تمسك إيد فاطمة: “يا حبيبتي يا أمي والله العظيم قلوبنا كانت بتقطع عليكِ! إحنا…”

“إياكي تلمسيني!”

الكلمة طلعت من بق فاطمة زي ضربة السوط! دعاء اتجمدت في مكانها وإيدها اتعلقت في الهوا.

فاطمة بصت للمستشار رفعت وهزت رأسها: “شغل الشريط يا سيادة المستشار.. خليهم يسمعوا دواهم المستورد.”

المستشار رفعت طلع جهاز تسجيل صغير وحطه على التربيزة وداس على زرار التشغيل.

صوت السبيكر رن في الأوضة.. واضح، نقي، مفيش فيه شوشرة:

(صوت أحمد: “يا عم خلاص، هي مش هتطير! الـ parking الساعة بـ 50 جنيه، وإحنا قاعدين بقالنا ساعتين.. يلا نمشي ولما تفوق نرجع.”)

(صوت دعاء: “بس يا أحمد شكلها وحش لو حد سأل عنا!”)

(صوت حسن وهو بيضحك: “مين هيسأل؟ هي أصلاً مش دريانة بحاجة.. والمحامي مستنينا الساعة 4 عشان نخلص أوراق الحجر ونفتض السيرة دي كلها.. البيت لو اتباع بـ 4 مليون، كل واحد فينا هيطلع بمليون وشوية، والكسرة دي تنتهي!”)

الصوت سكت.

الأوضة بقت زي المقبرة.

أحمد كان بيعرق بغزارة، قميصه اتملى مية. دعاء كانت بتبص للأرض ورجليها بتترعش. حسن وشه اتغير وبدأ يفرك إيديه في بعض بغضب مكتوم.

فاطمة بصت لأحمد: “المحامي بتاع الحجر يا أحمد؟ المحاسب الكبيير اللي متعلم بفلوس الشغالة في البيوت؟ عايزه تحجر عليا؟ عشان تحمي الثروة من ‘إن الأم العجوزة بترميهم على الكلاب والأطفال الفقراء’؟”

أحمد حاول يتكلم: “يا أمي.. افهميني.. ده.. ده كان مجرد استشارة قانونية عشان… عشان نحمي ممتلكاتك من النصابين!”

“النصابين هم أنتم!”

الصوت المرة دي مجاش من فاطمة.. جه من ممدوح اللي وقف بطوله الهيبة، وبصلهم بنظرة قرف: “أنا ممدوح Chen.. صاحب المستشفى دي، وصاحب أكبر مجموعة مستشفيات خاصة في مصر. وأنا اللي مربي على إيدين أمكم العظيمة دي.. الأكل اللي كنتم بتاكلوه والأدوم اللي كنتم بتلبسوها، كانت بتيجي من شقاها وحرمانا عشان أنتم تكبروا.. وفي الآخر جايين تبيعوها وهي تحت البنج؟”

حسن، بدناءته المعروفة، حاول يقلب الطاولة وصرح بصوت عالي: “وانت مين انت يا جدع انت؟! تدَخّل ليه بين العيلة؟ دي أمنا وإحنا أحرار مع بعض! وأنت يا سيادة الظابط، بياخدونا بتسجيلات غير قانونية؟ التسجيل ده مالوش أي قيمة في المحكمة!”

الظابط وقف بالراحة، وقرب من حسن. النظرة اللي في عين الظابط كانت كفيلة تخلي حسن يسكت خالص.

“التسجيلات دي يا استاذ..” الظابط قالها ببرود قاطل: “مأخوذة بناءً على بلاغ رسمي يقدمه رئيس مجلس إدارة المستشفى بوجود شبهة تآمر جنائي وجريمة شروع في النصب والاعتداء على شخص عاجز داخل حرم المستشفى. وأنا هنا مش جاي أقبض عليكم بناءً على التسجيل بس..”

الظابط طلع من جيبه أمر نيابة!

“ده أمر من النيابة العامة بضبط وإحضار المتهمين: أحمد عبد الرحمن، ودعاء عبد الرحمن، وحسن عبد الرحمن.. بتهمة التزوير في محررات رسمية، والشروع في الاستيلاء على أموال الغير عن طريق التدليس!”

أحمد صرخ: “تزوير إيه؟! إحنا مزورناش حاجة!”

المستشار رفعت ابتسم ابتسامة ثعلب وطلع أوراق ثانية من شنطته: “تزوير التوقيع المنسوب لوالدتكم على توكيل عام قضايا وبنوك.. اللي حاولتم ترفعوا بيه قضايا الحجر، واللي ابنك حسن حاول يستخدمه الصبح في بنك مصر عشان يسحب مبلغ 150 ألف جنيه من حسابها!”

حسن وشه بيَضّ تماماً كأنه شاف ملك الموت: “أنا… أنا كنت بسحبهم عشان أدفع مصاريف العملية!”

فاطمة بصتله بكسرة: “مصاريف العملية مدفوعة بالكامل من صندوق التكافل بتاع المستشفى يا حسن.. ممدوح تكفل بيا من أول دقيقة دخلت فيها. انت كنت بتسرقني.. بتسرق أمك وهي بين الحياة والموت!”

دعاء انهارت ووقعت على ركبها قدام السرير، مسكت جلابية أمها وبكت بحرقة: “وحياة ربنا يا أمي ما كان قصدي! أحمد وحسن هم اللي غروني! قالوا لي إنك كده كده كبرتي والبيت هيترمي للحكومة! سامحيني يا أمي! سامحيني وحياة اللقمة اللي أكلناهالك!”

فاطمة نفضت جلابيتها من إيد دعاء بالراحة، وبصت لها بنظرة خالاوية من أي رحمة: “اللقمة اللي أكلتهالكم كانت بحلال وشقا يا دعاء.. بس أنتم طمرش فيكم. أنتم مش ولادي.. أنتم أعدائي.”

التفتت فاطمة للمستشار رفعت: “الورق جاهز يا سيادة المستشار؟”

“جاهز يا حجة فاطمة.”

المستشار رفعت قدم الترابيزة الصغيرة، وحط عليها الدفتر الكبير.

“بموجب العقد ده يا أمي..” ممدوح قال بصوت دافي: “كل أملاكك — البيت، الشقة، الفلوس في البنك — انتقلت ملكيتها بالكامل لـ ‘مؤسسة فاطمة المليجي لرعاية الأيتام والمرضى’.. وتحت إدارتي وإدارتك شخصياً. ولادك مالهمش مليم واحد، لا دلوقتي ولا بعد عمر طويل. ومفيش بيت هيتباع، ومفيش قرش هيتسرق.”

أحمد اتجنن، صرخ بصوت هيستيري: “أنتِ بتعملي إيه يا ولية انتِ؟! انتِ اتجننتي؟! بتكتبي حيلتنا للجمعيات والمستشفيات؟! إحنا ولادك! إحنا من دمك!”

فاطمة رفعت القلم. إيدها مكنتش بترتعش خالص.

بصت لأحمد بثبات وابتسمت ابتسامة هادية أوي: “الدم اللي يجيب القسوة دي.. أنا متبرية منه ليوم الدين.”

ومضت.

التوقيع كان واضح، قوي، ومفرود على الورقة زي رسمة سيف.

الظابط حط إيديه في جيبه وندى على أمين الشرطة: “كلبش يا ابني الثلاثة.. وهاتهم على البوكس. الأستاذ وكيل النيابة مستنيهم في مكتبه.”

أمين الشرطة طلع الكلبشات الحديدية.

دعاء كانت بتصرخ وتولول وهي بتتجر. أحمد كان بيحاول يقاوم وبيشتم في ممدوح وفي المحامي، وحسن كان ماشي كأنه جثة، عينيه ميتة ومش قادر يرفع راسه في الأرض.

خرجوا التلاتة من الأوضة، وصوت صريخهم وحسرتهم يرن في كوريدورات المستشفى كلها قدام الممرضات والدكاترة والعمال اللي كانوا واقفين يتفرجوا بقرف واشمئزاز.

الأوضة رجعت هادية تاني.

الشمس كانت غربت تماماً، وأضواء القاهرة بدأت تنور من الشباك.

فاطمة اتنهدت تنهيدة طويلة.. تنهيدة طالعة من قاع روحها، كأنها كانت شايلة جبل وأخيراً رمته من على كتافها.

ممدوح قرب منها، وقعد على الكرسي تاني: “حاسة بإيه دلوقتي يا أمي؟”

فاطمة بصت لشباك الأوضة، للأنوار اللي بتلمع في زحمة المدينة، وابتسمت ابتسامة صافية، أول مرة تبتسمها من سنين طويلة: “حاسة إن قلبي بقى خفيف يا ممدوح.. كان فيه حجر ثقيل أوي كبس عليه، والنهاردة الانشال.”

ممدوح ابتسم وطلع من جيبه كيس الورق القديم اللي فيه سندوتش الفول بتاع زمان: “تعرفي يا حجة.. المستشفى دي والأكل ده، وكل اللي أنا فيه، بدأ بسندوتش. والدنيا بتبدأ تاني النهاردة.”

فاطمة هزت رأسها: “فعلاً يا بني.. ربنا بياخد من ناحية، وبيوض من ناحية ثانية خالص.”

فجأة.. تليفون ممدوح رن.

بص في الشاشة، ملامح وشه اتغيرت وانعقدت حواجبه.

رد بسرعة: “أيوة يا دكتور حازم.. إيه؟! انت بتتكلم جد؟ متأكد من المعلومة دي؟!”

فاطمة بصتله بقلق: “فيه إيه يا ممدوح؟ خير؟”

ممدوح قفل التليفون بالراحة، وإيده كانت بترتعش خفيف! بص لفاطمة بنظرة فيها ذهول وتوتر مش طبيعي.

“فيه إيه يا بني قلقتني؟”

ممدوح بلع ريقه وقال بصوت واطي ومتردد: “يا أمي.. النيابة وهي بتفتش شقة أحمد دلوقتي بناءً على أمر التفتيش.. لقوا صندوق حديد قديم مقفول بقفل صدِئ تحت سريره..”

“صندوق إيه؟”

ممدوح قرب منها وهس بصوت متهدج: “صندوق خشب وفيه أوراق ميلاد قديمة جداً.. وتحاليل DNA معتمدة من 30 سنة!”

فاطمة اتسمرت: “تحاليل إيه؟!”

ممدوح بص في عينها مباشرة وقال القنبلة اللي هزت الأوضة كلها: “أحمد ودعاء وحسن… مش ولادك يا حجة فاطمة! أنتي مخلفتيهمش خالص! دول الولاد اللي جوزك الله يرحمه جابهم من مراته السرية الثانية وكتبهم باسمك وأنتي نايمة في المستشفى بعد ما ولادتك الأولى فشلت وجبتي طفل ميت!”

فاطمة حسيت إن الأرض بتدور بيها، والدم هرب من عروقها: “إيه… إيه اللي انت بتقوله ده يا ممدوح؟! أومال… أومال ابني أنا فين?!”

ممدوح مسك إيدها بقوة، وعينيه دمعت وهو بيطلع ورقة من جيبه كانت لسه جيايله على الواتساب: “ابنك الحقيقي يا أمي… الطفل الميت ده مكنش ميت! جوزك باعه لعيلة غنية عشان كان محتاج فلوس.. والطفل ده… تبنته عيلة ثانية وسافرت بيه خارج مصر لما كان عنده سنتين!”

فاطمة كانت بتتفس بسرعة، ودموعها نازلة زي المطر: “مين… مين ابن الحقيقي يا ممدوح؟! حاي فين؟! عايش ولا ميت?!”

ممدوح بص للورقة اللي في إيده، وبعدين بص لفاطمة والدمعة نزلت من عينه على خده، وقال بنبرة خلت قشعريرة تسرى في جسمها كله:

“ابنك الحقيقي يا أمي… هو الطفل اللي العيلة اللي اسمها ‘Chen’ تبنته من 40 سنة… ومسمينه ‘ميزو’!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى