دين وعلوم

د السؤال طار في الهوا

السؤال طار في الهوا وزي ما يكون فجّر قنبلة في المندرة. طارق أول ما سمع كلمة “الجاكيت المقلم” وشّه اتخطف، والدم هرب من عروقه. بص لأبوه برعب، وبعدين بصلي بعينين فيها غلّ مش طبيعي. أنا كنت واقفة متسمرة مكاني، الظرف الأصفر بيترعش في إيدي، وصوت الراجل بتاع الأوتوبيس لسة بيرن في ودني: “اعملي نفسك دايخة ومغمى عليكِ.. ومهما حصل إيدك دي متلمسش قلم.”

افتكرت النصيحة في لحظة فارقة. حسيت إن التنفس بقى صعب، غمضت نص عين، وسيبت ركبي تسيخ تحت مني. الدوسيه الأزرق طار من إيد طارق، وأنا وقعت على السجادة الميركاني اللي في وسط الصالة، وصرخت صرخة مكتومة ومثّلت إن غميان تام جاني.

— “نوال! يا ساتر يا رب! البت راحت مننا!”

صوت حماتي مرزوقة جاني مكتوم وزي ما تكون بتجري جيب مية بورد. طارق زعق بعلو صوده وهو بيزق الخدم: “وسّعوا كدة! هاتو لها بروح نشادر! مش وقت الدوخة دي خالص دلوقتي!”

في اللحظة دي، سيف ابني صحي على الزعيق وجري من الأوضة وهو بيعيط: “ماما! مالك يا ماما؟!”

أنا كنت سامعة كل حاجة، بس ضاغطة على عينيا ومقفلة سناني. طارق حاول يمسك إيدي عشان يحط القلم فيها أو يخليني أبصم وأنا بين البينين، بس عمي متولي ضرب بعكازه الأرض ضربة هزت الدوار كلها: “ابعد عنها يا طارق! البت جسمها سقعان والواد مرعوب.. شيلوها ودخلوها جوة، والحكيم يجي فوراً!”

شالوني الخدم على السرير في الأوضة القديمة. سيف قعد جنبي يمسك إيدي ويبكي، وأنا أول ما الباب اتقفل والناس خرجت تتناقر برة، فتحت عين واحدة ووشوشته بصوت واطي جداً: “سيف.. حبيبي متخافش، أنا كويسة.. بس لازم نلعب اللعبة دي مع بعض عشان نعرف نخرج من هنا. فاهم؟”

الواد مسح دموعه بظهر إيده وهو بيهز رأسه، ذكاء أبوه حسن الله يرحمه كان باين في عينيه.

سر في ظلام الدوار

على الساعة ثلاثة بعد نص الليل، البلد كلها كانت ساكنة، بس الدوار كان بيغلي تحت تحت. أنا قمت بالراحة من السرير، وحطيت المنديل الرمادي والورقة المقطوعة من الكشكول في جيب جلابيتي. الأوراق اللي أخدتها من الظرف الأصفر كانت مستخبية تحت مخدة سيف.

تسحبت لغاية باب الأوضة، وفتحت الشيش بالراحة. كان فيه صوت همس جاي من الجنينة الخلفية تحت شجرة الجوز. قربت من الشباك واستخبيت ورا الستارة القماش التقيلة.

كان طارق واقف مع واحد ضخم، لابس جلابية بيضاء وشال ملفوف على وشه، ماسك في إيده جهاز لاسلكي صغير.

— “بقولك يا طارق بيه، الراجل ظهر في المحطة العصرية.. نزل من الأوتوبيس قبل ما يوصل البلد بغلوة، وأكيد هو اللي حذرها.”

— “يعني إيه ظهر؟! الراجل ده ميت من سنتين! إحنا دفنينه بيدينا بعد حادثة طريق الجيش!”

قلبي اتخلع من مكانه. حادثة طريق الجيش؟! دي الحادثة اللي مات فيها جوزي حسن!

صوت طارق كان بيترعش من الخوف والغضب: “لو طلع حسن عايش.. يبقى كل اللي عملناه راح في البايض! المصنع، والأرض، وحسابات سويسرا! لازم نعرف الراجل اللي كان في الأوتوبيس ده مين، ولو هو حسن فعلاً.. يبقى المرة دي مش هيطلع منها صاحي!”

الكلمات نزلت عليا زي المية المغلية. حسن؟ جوزي؟ جثة حسن أنا ماشفتهاش في المستشفى زمان.. قالوا لي وقتها إن الحادثة كانت بشعة وجثته متفحمة ورامينا التقرير ورخصته وساعته. أنا صدقتهم وعيطت بدل الدم دموع! معقولة حسن يكون عايش؟ والراجل اللي كان قاعد قصادي في الأوتوبيس.. الراجل اللي إيده كانت بتخبط في رجلي عشان يصحيني، واللي أداني المنديل.. هل ده كان حسن؟!

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى