
أول ما الشمس شقشقت، الدوار اتملى حركة مش طبيعية. طارق جاب المأذون والمحامي بتاع العيلة وقعدهم في المندرة. دخل عليا الأوضة من غير ما يخبط، ووشه زي الإسفلت.
— “صباح الخير يا مرت أخوي.. الحمد لله إنك قمتِ بالسلامة. الأستاذ فريد المحامي جه، والموضوع مش محتاج تعطيل. امضي على أوراق الوصاية والتنازل، وإحنا هنكتب لك ويكتب لسيف نصيبكم كاش، ونأمن لكم شقة في القاهرة بدل المرمطة.”
أنا قعدت على السرير وربعت إيدي: “وليه المستعجل ده يا طارق؟ عمي متولي قال إن فيه وصية كتبها حسن.. والوصية بتقول إني أنا الوصية الوحيدة.”
طارق قرب مني وابتسامته الشيطانية رجعت تاني: “أبويا خرف يا نوال.. أبويا عنده أزهيمر وبيخترع كلام. الورقة اللي معاكِ دي مالهاش أي قيمة قانونية، وأنا معايا تقرير طبي يثبت إن أبويا غير أهل للتصرف. يعني من الآخر.. لو مامضيتيش بالذوق، هتطلعي من هنا بملابسك اللي عليكِ، وسيف هيتأخد منك بآمر من المحكمة لأنك غير قادرة على رعايته.”
في اللحظة دي، دخلت الحاجة مرزوقة، ماسكة في إيدها صينية فيها كباية شاي.. بس عينيها كانت بتزغزغ في الأركان.
— “اشربي الشاي يا نوال يا بنتي.. روقي دمك، إحنا أهلك برضو.”
أنا افتكرت تحذير الورقة: “ماتأمنيش لأي حد جوة دوار متولي العزازي.. حتى اللي يمسح دموعه قدامك.”
مسكت كباية الشاي، وبتقلها، عملت نفسي بقلبها، وقمت رافعة إيدي فجأة وكأن سيف خبط فيا، الكباية وقعت على السجادة ودلقت الشاي. طارق صرخ: “غبية!”.. بس أنا شفت البقعة بتاعة الشاي على الموكيت بتغلي وتطلع رغوة غريبة! الشاي كان فيه سم أو مخدر تقيل!
بصيت لحماتي، لقيتها دارت وشها في الحيطة ويديها بترتعش.
— “انتوا عايزين تقتلوني؟!” أنا صرخت بعلو صوتي.
طارق مسكني من دراعي بقوة وجرني ناحية الترابيزة: “محدش هيقتلك.. بس هتصفي كل حاجة وهتمضي هنا يعني هتمضي!”
زقيته بكل قوتي، وسحبت سيف من إيده وجرينا ناحية باب الدوار. الغفر كانوا واقفين برة، وطارق صرخ فيهم: “قفلوا البوابات! محدش يخرجها!”
المطاردة في وسط المزارع
البوابة الحديدية الاتقفلت بصوت يرعب. أنا مسكت إيد سيف وجريت بيه ناحية المطبخ الخلفي اللي بطل على جنينة الموالح. نطيت من الشباك الواطي وسحبت سيف معايا. الشوك بتاع جرايد النخل كان بيقطع في جلابيتي ورجليا، بس الرعب كان بيمشيني زي المجنونة.
سمعت صوت كلاب الحراسة وهي بتنبح ورايا، وصوت طارق والغفر ب scream ورايا في وسط شجر البرتقال.
— “يا نوال! مش هتعرفي تهربي! البلد كلها ببيوتها وناسه ملكنا!”
كنت بجرى ورجليا بتغوص في المية بتاعة القنوات والترع. سيف كان بيلهث وبيعيط: “يا ماما أنا خايف! هما عايزين يعملوا فينا إيه؟”
— “متخافش يا سيف! طول ما أنا حية محدش هيلمس شعرة منك!”
وصلنا لغاية حد الأرض، عند الترعة الكبيرة اللي بتفصل بين أرض عيلة العزازي وأرض الحكومة. كان فيه بيت طين قديم ومجهور، سقفه زلوع وواقف في وسط الغاب. استخبيت أنا وسيف جوة الأوضة الضيقة اللي جوة البيت، ونفسنا مقطوع.
الكلاب كانت بتقرب، وصوت خبط الجزم على الأرض الناشفة كان بيكبر.
