
افتكرت الحاجة سعاد إن كشف حساب البنك ونقل ملكية الشقة هما أقصى ضربة ممكن أوجّهها ليها قدام العيلة، لكن اللي كان مستنيها جوة الفاصل التاني من الدوسيه الأزرق كان كفيل يهد المعبد على دماغ الكل.
الهدوء اللي نزل على الترابيزة كان مرعب. صوت المراكب في النيل والضحك اللي جاي من الترابيزات البعيدة كان شغال، بس عندنا احنا، الهواء اتجمد.
“سجل التحويلات البنكية الخاصة”.. الكلمة كانت مكتوبة بخط اسود عريض.
“ياسمين.. أرجوكي يا بنتي.. خلاص، اللي أخدتيه كفاية.” أبويا قالها بصوت مبحوح وهو ماسك في طرف الفراش بتاع الترابيزة، إيده كانت بترتعش زي ورقة شجر في الريح.
أمي بصتله بنظرة نارية وقالت بحدة: “سيبها يا محمود! خليها تطلع كل اللي عندها! فاكرة نفسها مسكتنا من إيدنا اللي بتوجعنا؟ فاكرة إن شوية ورق كتبناهم تحت ظروف معينة هيلغوا إنها بنتي وإن كل اللي حيلتها من خيرنا؟”
ابتسمت بسخرية وأنا بقلب الصفحة الأولى من القسم التاني.
“خيركم؟” قولت الكلمة بهدوء يستفز الصخر. “طب تعالوا نشوف الخير ده كان بيروح فين.. ومنين.”
مسكت أول ورقة ورميتها قدام طارق أخويا. طارق اللي كان قاعد حاطط رجل على رجل، ومفهم مراته شيماء إنه الراجل العصامي اللي بنى نفسه بنفسه، وبيدفع إيجار شقته في التجمع من مجهوده وشغله في الشركة.
“أول تحويل.. بتاريخ ١٥ مارس من سنتين. المبلغ: ٣٥٠ ألف جنيه. المرسل: ياسمين محمود. المستلم: شركة المعمار للتطوير العقاري.. مقدم شقة الأستاذ طارق.”
طارق وشه اتخطف. شيماء مراته بصتله بصدمة وقالت: “إيه ده؟ طارق.. مش أنت قولتلي إن ده قرشين كنت شايلهم من شغلك في الخليج؟”
طارق بدأ يعرق، ولسانه اتعقد: “أصل.. يا شيماء.. أنا وياسمين كنا..”
قطعت كلامه بصوت مرتفع نسبياً: “متقولش كنا يا طارق! قولي الحقيقة! قول لمراتك ولعيلتك إنك لما اتزنقت في حوار الشقة، ومكنش معاك نكل، وطليقك كان هيرمي عفشك في الشارع، جيت تبكي تحت رجلي بالليل وتترجاني أنقذ مستقبلك وجوازتك! قولهم إنك ما دفعتش قسط واحد من ساعتها، وأمي كانت بتاخد مني الفلوس بحجة ‘مصاريف البيت’ وتبعتهالك أنت عشان تكمل أقساط شقتك وركوبتك الجديدة!”
شيماء وقفت من على الترابيزة وشها أحمر من الغضب: “يعني الشقة اللي باسمك، العرببة اللي بتتباهى بيها قدام أهلي، كله من فلوس أختك؟ وأنت طالع قدام الناس عامل فيها بطل وأختك عايشة عالة عند أمك؟”
“شيماء اسكتي دلوقتي!” الحاجة سعاد زعقت بصوت هز الترابيزة. “الفلوس دي كانت حق أخوكي عليّ! أنا اللي طلبت منك تدي له! طارق هو الراجل.. هو اللي يشيل اسم العيلة!”
“راجل؟” قولت الكلمة وأنا بضحك بصوت عالي خلّى الناس في الترابيزات اللي جنبنا يلتفتوا. “راجل عايش على شقى أخته؟ راجل شايف أخته بتشتغل شفتين في المستشفى وبتسهر الصبح بدري تعمل حسابات عشان تسدد ديونه، وبيجي في الآخر يبتسم لأمه وهي بتهينها وتقول عليها طفيلية وتنابلة؟”
طارق نزل راسه في الأرض ومقدرش يرفع عينيه في عيني.
بس اللعبة مكنتش لسة خلصت. الفاصل التاني كان فيه بلاوي أتقل.
قلبت الورقة التانية. “نيجي بقى للتقيل.. الفضيحة اللي الحاج محمود كان خايف منها.. واللي الحاجة سعاد فاكرة إن محدش عارفها غيرها.”
أبويا غمض عينيه ونزل راسه على الترابيزة. أمي وقفت من طولها وهي بتمد إيدها عشان تخطف الدوسيه من إيدي: “هاتي الورق ده هنا يا بت! إنتي اتجننتي؟ إنتي قلة الأدب طيرت عقلك؟”
مسكت إيدها بقوة ووقفت قصادها. لأول مرة في حياتي أكون أطول منها وأقوى منها. بصيت في عينيها بثبات وقولت: “إيدك متتمدش تاني عليّ يا سعاد هانم.. الزمن ده فات وانتهى.”
زقيت إيدها بالراحة وقعدت تاني. مسكت الصفحة اللي بعدها.
“تحويلات شهرية ثابتة بقالها ٥ سنين.. بمبلغ ٥٠ ألف جنيه شهرياً.. بتروح لحساب باسم: ‘مستشفى السلام للرعاية الممتدة’.”
خالاتي الأثنين بصوا لبعض باستغراب. خالتي الكبيرة قاطعت: “مستشفى إيه؟ هو محمود كان بيتعالج في السلام؟”
“لا يا خالة..” قولت وأنا بصل لأمي اللي كانت واقفة بتترعش من الغل والخوف. “الحاج محمود كان بيتعالج من الجلطة في القصر العيني الفرنساوي، وأنا اللي كنت بدفع مصاريفه. المستشفى دي فيها حد تاني خالص.. حد الحاجة سعاد والحاج محمود مخبيينه عن العيلة كلها من ٢٠ سنة!”
الترابيزة كلها اتخرست. حتى نور بنتي، اللي كانت قاعدة ساكتة ودموعها في عينها، بصتلي بشرود وصدمة.
“حد مين؟” طارق سأل بصوت طالع بالعافية.
“أخوك الصغير يا طارق..” قولت النبرة وأنا بقرا الورقة. “أخوك ‘أحمد’.. اللي قالوا للعيلة كلها إنه اتوفى وهو صغير بعد ولادته بساعات.. أحمد مولود بضمور كامل في المخ واحتياجات خاصة جداً، وأمك وأبوك قرروا يرموه في مصحة خاصة عشان خايفين من كلام الناس وعايشين في مظاهر كدابة! قرروا ينسوه ويقولوا مات!”
خالتي صرخت وهي حاطة إيدها على بقها: “أحمد؟ أحمد ابنك يا سعاد عايش؟”
الحاجة سعاد قعدت على الكرسي كأن حد ضربها على دماغها. وشها بقى أصفر زي الورق.
كملت كلامي وصوتي بيعلى بالتدريج والوجع بيطلع مع كل كلمة: “الست اللي واقفة تعيرني وتقول إني عايشة بآكل وبشرب ببلاش في بيتها، كانت رميا السِر ده عليّ من ٥ سنين لما تقاعدوا ومبقاش معاهم مصاريف المصحة! هددتني وقالتلي لو مدفعتيش مصاريف أخوكي هنرميه في الشارع ونقول للناس إنك إنتي اللي رفضتي تساعديه! بقالي ٥ سنين بشيل علاج أخويا اللي ميعرفش حاجة عن الدنيا، عشان أمي الهانم تفضل لابسة الدهب وقاعدة في وسط العيلة تعمل فيها الست الأرستقراطية اللي ملهاش مثيل!”
شيماء مرات طارق بصت لأمي بقرف. خالاتي يبصوا لبعض بصدمة وذهول، والهمس بدأ يزيد بين الترابيزات.
“والأدهى من كدة..” قولت وأنا بقلب لآخر ورقة في الدوسيه. “إن العمارة والشقة اللي احنا قاعدين فيها، مش بس باسمي.. دي مكتوبة باسمي بيع وشراء نهائي من ٣ سنين، والأستاذ طارق مضى كشاهد على العقد وهو مش داري، لأنه كان بيمضي على ورق الفلوس اللي أخدها مني من غير ما يقرا!”
طارق وقف بذهول: “إيه؟ أنا مضيت على عقد بيع الشقة؟”
“أيوا يا طارق..” قولت وأنا ببتسم ابتسامة مكسورة. “أمي ضحكت عليك وعليّ. أخدت منك الإمضاء بحجة إنها إقرار باستلام الفلوس، وهو كان تنازل كامل عن الشقة ليّ مقابل الديون اللي على البيت ومصاريف علاج أخوك وعلاج بابا.”
أمي بصتلي بعيون مليانة كره وقالت بصوت واطي ومخيف: “إنتي شيطانة.. إنتي مش بنتي.. إنتي جاية تنتقمي مني؟”
“أنا مش شيطانة يا ماما..” قولت وأنا بلم الورق بالراحة وبحطه جوة الدوسيه. “أنا بنتك اللي طحنتيها ٤ سنين. البنت اللي كنتِ بتمشيها في البيت زي الخدامة، وبتفكريها كل يوم إنها ملهاش مأوى ولا أمان بعد ما اتطلقت. البنت اللي حرمتيها من كل كلمة طيبة، وجاية النهاردة في يوم نجاح بنتها الوحيدة.. فرحة عمرها.. عشان تكسري نفسها قدام العيلة وتظهري بمظهر الست القوية اللي بتطرد التنابلة.”
وقفت من على الكرسي. مسكت شنطتي ودوسيه الأوراق. بصيت لنور بنتي وابتسمت. نور وقفت، مسحت دموعها، وجت وقفت جنبي وأخدت في حضني إيدي.
بصيت للترابيزة كلها.. لأبويا اللي بيبكي من غير صوت، لأمي اللي أخيرًا انكسرت كبرياءها واتفضحت حقيقتها قدام أختاتها، لطارق اللي مراته سابته وقامت من على الترابيزة وهي بتتحسبن عليه، ولخالاتي اللي مكنوش عارفين يداروا وشوشهم فين.
“أنا مش هطردكم من الشقة يا سعاد هانم..” قولت النبرة حاسمة وخالية من أي رحمة مزيفة. “البيت بيتكوا تفضلوا قاعدين فيه لحد ما تقابلوا ربنا.. لكن من بكرة الصبح، حسابات البنك هتقف. مصاريف البيت، الكهربا، الصيانة، وأكلكم وشربكم.. طارق بيه هو اللي هيشيلها. مش هو الراجل اللي بيشيل اسم العيلة؟ خليه يشيل.”
طارق بصلي بفزع: “ياسمين! أنتِ بتتكلمي إزاي؟ أنا معنديش إمكانية أشيل مصاريف بيتين ومصحة أخويا!”
“يتصرف..” قولت وأنا بلف ضهري. “زي ما أنا تصرفت ٤ سنين. وزي ما الحرمة اللي كنتوا شايفينها ملهاش قيمة شالتكم كلكم على كتفها.”
مسكت إيد بنتي نور، ومشيت كسرنا الهدوء التقيل اللي كان يخنق المكان. وصلنا لباب المطعم، والنيل كان بيلمع تحت إضاءة المعادي. نور بصتلي وقالت بصوت بيترعش بس مليان فخر: “بابا وماما وجدتي.. كلكوا كنتوا عايشين في كدبة يا ماما؟”
“الكدبة انتهت النهاردة يا نور..” قولت وأنا ببوس راسها. “والنهاردة بجد نبدأ حياتنا.”
وقفت تاكسي وركبنا. وأنا بصل الشباك ومروحة من الليلة اللي غيرت كل حاجة، تلفوني رن. كان رقم غريب.
رديت ببرود: “ألو؟”
جالي صوت راجل جاد وصرامته بتخترق السماعة: “مس ياسمين محمود؟”
“أيوا أنا.. مين معايا؟”
“أنا الأستاذ شريف الشاذلي، المحامي الخاص بالمرحوم عبد الجواد العريان.. طليق حضرتك المتوفي من أسبوعين.”
قلبي اتنفض. عبد الجواد؟ طليقي اللي طردني من ٥ سنين ورمى بنته ومسألش عنها؟
“خير يا أستاذ؟” قولت والتنفس بتاعي بدأ يتقل.
المحامي كمل نبرة هادية بس كلماته نزلت عليّ زي الصاعقة:
“المرحوم ساب وصية مسجلة في الشهر العقاري يا مدام ياسمين.. وكتب كل ممتلكاته ورصيده في البنوك باسم بنته نور.. بس فيه شرط واحد غريب جداً في الوصية لازم تنفذوه فوراً، ولو متنقذش خلال ٤٨ ساعة، كل الأصول هتتنقل للجمعيات الخيرية.. والشخص الوحيد اللي يقدر يفك حظر التركة دي.. هو أخوكي ‘أحمد’ اللي في المصحة!”
بصيت لنور اللي كانت ماسكة إيدي وبتبصلي بتساؤل، والتلفون بغيت حاسّة إنه هيقع من إيدي.
الأسرار اللي فتحتها الليلة دي جوة الدوسيه الأزرق.. اتضحت إنها مجرد البداية لسر أكبر بكتير، سر كان طليقي وأمي مخبيينه عني، وسر هيقلب حياتنا تاني للمرة الثانية!
