دين وعلوم

د السؤال طار في الهوا

المواجهة

أنا اتسمرت مكانت وكنت هصرخ، بس الصوت اللي جه من ورايا كان هو نفس الصوت الهادي اللي سمعته في الأوتوبيس:

— “هش… ولا كلمة يا نوال. أنا حسن.”

أنا لفيت وشت بالبطيء.. الدم نشف في عروقي. الراجل قلع الكاب الرمادي والجاكيت المقلم. وشه كان مليان ندوب وغائر، شعره أبيض كليا، وإيده الشمال فيها حرق كبير.. بس العينين.. العينين كانت عينين حسن جوزي!

— “حسن؟! انت… انت حي؟!” أنا انهرت ووقعت في حضنه، ودموعي نزلت زي المطر.

حسن مسك وشي بإيديه الاثنين اللي بترتعش، وبص لسيف اللي كان بيبص له وهو مش فاهم حاجة: “سيف.. كبرت يا ابني.. بقيت راجل يا سيف.”

سيف بص للراجل وبعدين بصلي: “ده بابا يا ماما؟ ده بابا اللي صورته في المحفظة؟”

حسن حضن الواد وبكى بكاء يقطع القلب: “سامحوني.. سامحوني يا نوال. سنتين وأنا محبوس في جحيم.. سنتين وأنا مستني اللحظة دي.”

— “مين اللي عمل فيك كدة يا حسن؟ وليه سيبتني كل ده وأنا فاكراك ميت؟!”

حسن بص ناحية الشباك، وصوته بقى مليان مرارة: “ليلة الحادثة على طريق الجيش.. طارق أخويا والعميد فريد المحامي هما اللي دبروا كل حاجة. طارق ضربني بالنار في كتفي، والعربية اتقلبت بينا وولعوا فيها. هما كانوا فاكرين إني مت جوة العربية، بس أنا قدرت أخرج بالروح وجسمي بيتحرق.. راجل يزارع طيب لقتني ورعاني في بيته شهور. ولما فقت، اكتشفت إنهم عملوا قبالة مزورة وإنهم استولوا على المصنع وعلى حسابات الشركة في الخارج باسم سيف.”

— “بس ليه طارق يعمل كدة في أخوه؟!”

— “عشان الفلوس يا نوال.. الطمع يعمي القلوب. هما كانوا عايزين يورطوكي ويخلوكي تمضي على تنازل عشان ياخدوا الوصاية على سيف، وبعدها… بعد ما تاخدي الفلوس الكاش، كان هيحصل لك حادثة زي اللي حصلت لي، والفلوس كلها ترجع لطارق وحمايتك!”

حسن طلع من جيبه فلاشة صغيرة ومجموعة أوراق صفراء: “أنا سنتين بجمع أدلة.. سجلت لطارق وللمحامي، ومعايا المستندات الأصلية اللي تثبت إن الحادثة كانت مدبرة وإن إعلام الوراثة اللي عملوه مزور. بس كان لازم أحذرك في الأوتوبيس قبل ما تمضي على أي حاجة.”

— “انت كنت في الأوتوبيس طول الطريق يا حسن؟! ليه ماقلتليش من الأول؟!”

— “كنت خايف رد فعلك يفضحنا قدام عيون طارق اللي كانوا يراقبوا المحطة.. كان لازم ألمسك وأحس بيكِ، وكان لازم أديكي المنديل والورقة عشان تحمي نفسك.”

اللحظة الحاسمة

وفجأة.. الباب الخشبي بتاع البيت المجهور اتقلع من مكانه بضربة رجل قوية!

طارق دخل وهو ماسك طبنجة في إيده، ووراه ثلاثة من الغفر ببنادقهم الآلية.

— “يا محاسن الصدف! الجثة خرجت من القبر وأخيرًا العيلة اتجمعت!” طارق ضحك ضحكة مجنونة وهو بيوجه الطبنجة لستر حسن.

حسن وقف قدامنا وحمانا بجسمه: “نزّل السلاح يا طارق.. اللعبة انتهت. الشرطة في الطريق وكل المستندات راحت للنيابة العقلية في القاهرة.”

طارق وشه اتغير وبقى زي الميت، بس ضحك بشر: “شرطة مين يا حسن؟! انت في بلدي وفي أرضي! محدش هيسمع صوت ضرب النار هنا! قتلتك مرة وفشلت، والمرة دي هيدفنوك انت والمرأة والواد في مكان محدش هيوصل له أبدًا!”

طارق رفع السلاح وثبت صباعه على الزناد.. سيف صرخ واستخبى في جلابيتي، وحسن استعد إنه يترمى عليه..

وفجأة.. صوت فرامل عربيات ضخم هز المكان برة! النور الأبيض بتاع كشافات عربيات الشرطة ضرب في شباك البيت المجهور!

صوت مكبر صوت هز البلد كلها: “يا طارق يا عزازي! المكان محاصر بالكامل! رمي السلاح واخرج وإيدك فوق راسك!”

طارق اتلخبط وبص وراه برعب. حسن استغل اللحظة دي، وهجم على طارق، مسك إيده اللي فيها الطبنجة وزقها لفوق! طلقتين انطلقوا في السقف والتراب نزل علينا كلنا!

الغفر رموا السلاح وجريوا برة، وحسن قدر يكتف طارق على الأرض ويآخد منه الطبنجة.

قوات الشرطة اقتحمت البيت المجهور، ودخل معاهم العميد بتاع المباحث اللي كان بيحقق في قضية الاختلاس الكبيرة.

— “الحمد لله على السلامة يا حسن بيه.. الورق والفلاشة اللي بعتهم مع المحامي بتاعك وصلوا للنيابة في الوقت المناسب.”

الشرطة كلبت طارق، اللي كان بيصرخ ويشتم زي المجنون وهو بيتجر على برة.

النهاية.. وبداية جديدة

بعد ثلاثة أيام..

الشمس كانت طالعة دافية على شقة حسن ونوال في القاهرة. الدوار في البلد اتقفل للشمع الأحمر بعد ما التحقيقات كشفت كل بلاوي طارق والمحامي، والحاجة مرزوقة وقفت قدام القاضي تعترف بكل حاجة وهي بتبكي وتسأل المغفرة. أما عمي متولي، فطلب يشوف حسن وسيف قبل ما يتنقل المستشفى، وسلم حسن كل الأوراق القانونية ورجّع له حقه كاملاً وهو بيطلب منه يسامحه على ضعفه.

أنا كنت واقفة في البلكونة، بشرب القهوة ومستمتعة بهدوء الصبح.

حسن خرج من جوة وهو شايل سيف على كتفه، وسيف بيلعب في شعره ويضحك. حسن قرب مني، حط إيده على كتفي، وبصلي بعينين مليانة حب وأمان:

— “آسف يا نوال.. آسف على كل لحظة رعب عشتيها بسبب العيلة دي.”

مسكت إيده وبصيت له بابتسامة: “المهم إننا رجعنا سوا يا حسن.. وإن الحق رجع لأصحابه.”

حسن ابتسم، بس سكت فجأة.. وعينيه راحت ناحية الشارع تحت.

أنا بصيت معاه، لقيت عربية سوداء زجاجها مفيم واقفة تحت العمارة بالضبط. باب العربية اتفتح بالراحة.. ونزل منه راجل لابس جاكيت جبردين مقلم وكاب رمادي.. وقفل الباب وبص لفووق ناحية بلكونتنا، ورفع إيده بسلام غريب قبل ما يختفي في زحمة الشارع!

أنا اتسمرت مكاني وبصيت لحسن بدهشة: “حسن… مين ده؟! مش ده الجاكيت بتاعك اللي كنت لابسه في الأوتوبيس؟!”

حسن بصلي وشة أصفر، وصوته طلع مبحوح وهو بيمسك إيدي بقوة:

— “نوال… الجاكيت بتاعي أنا حرقته إمبارح بالليل في الزبالة… الراجل اللي تحت ده… مش أنا!”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى