منوعات

د ركعت برجلي اليمين

لكن فجأة، وقبل ما تكمل بقية اسمها، مريم عملت حركة مكانتش تخطر على بال جن!

بكل قوتها وسرعتها، غرزت سن القلم المعدني الحامي في ظهر إيد طارق اللي كان ساند بيها على الترابيزة!

طارق صرخ صرخة رهيبة: “آآآآآآه! إيدي!” والدم بدأ ينزل من إيده وهو بيتلوى من الألم.

في نفس اللحظة، مريم قلبت الترابيزة الحديد بكل اللي عليها في رجل فادية، فادية وقعت على الأرض وهي بتصرخ وتصوت من الوجع. مريم استغلت الكركبة وبسرعة البرق، وبإيدها اليمين اللي كانت فكت من الحبل، مدت إيدها في جيب جاكت طارق اللي كان بيصرخ من الألم، وسحبت مطواة قرن غزال كانت باينة من جيبه، وقطعت بيها الحبل اللي رابط رجلها وإيدها الشمال في ثواني!

وقفت مريم وجريت ناحية الباب الضخم بتاع المخزن، وطارق بيجري وراها وهو بينزف وبيزعق: “امسكوها! يا رجالة برة امسكوها!”

مريم فتحت الباب وخرجت تجري في الضلمة، لقت نفسها في منطقة صحراوية مقطوعة، شبه منطقة مصانع مهجورة في أطراف أكتوبر أو بدر. الهوا الساقع كان بيخبط في وشها، والاتنين الرجالة الجثث بتوع فادية شافوها وبدأوا يجروا وراها وهم بيشتموا.

مريم كانت بتجري بأقصى سرعة تقدر عليها وهي ساندة بطنها بإيدها، ودموعها وخوفها ماليين قلبها. كانت بتلتفت وراها تلاقي كشافات النور بتاعة الموبايلات والرجالة بيقربوا منها. رجليها غرزت في الرملة، ووقعت على الأرض.

“يا رب.. يا رب احميني أنا وابني.. يا رب ماليش غيرك”، مريم كانت بتدعي وهي بتعيط والرجالة بقوا على بعد خطوات منها وطارق وراهم ماسك حديدة وبيركض زي المجنون.

فجأة.. الشارع المقطوع ده اتقلب لنهار!

أنوار كشافات قوية جداً وعالية ظهرت من كل حتة، وصوت سارينات بوليس هز المكان كله!

أكتر من خمس عربيات بوكس وعربيات شرطة سريعة ظهرت من ورا التلال والرمل، وحاصرت المكان في ثانية. صرخوا في الميكروفون بصوت زلزل المنطقة: “اثبت مكانك أنت وهو! الشرطة محاصرة المكان! ارمي السلاح اللي في إيدك!”

الرجالة الجثث رفعوا إيديهم وركعوا في الأرض من الرعب، وطارق الحديدة وقعت من إيده ووقف مكانه زي الصنم وشه أبيض زي الأموات.

من العربية الأولى، نزل ظابط شرطة برتبة مقدم، ومعه مجموعة من العساكر المسلحين، وجري بسرعة على مريم وقومها من الأرض وهو بيقول: “ألف سلامة عليكي يا فندم.. أنتي كويسة؟”

مريم وهي بتنهج ومش مصدقة: “أنتم.. أنتم جيتوا إزاي؟ عرفتوا مكاني منين؟”

الظابط ابتسم وطلع من جيبه جهاز صغير جداً، شبه الميدالية، وقالها: “البشمهندس شريف، شريكك في الشركة، هو اللي بلغنا.. وقال إنك كنتي حاطة جهاز تتبع ‘GPS’ صغير جداً ومخفي في بطانة شنطتك احتياطي من يوم ما طارق هددك، وأول ما اختفيتي وتليفونك اتمسح من على الشبكة، شريف فتح السيستم ولقى مكانك هنا وبلغنا فوراً”.

مريم بصت للشنطة اللي كانت لسه في إيدها ومسكتها جامد، ونزلت دموع الفرحة من عينيها. شريف شريكها كان دايماً بيأمنها وبيخاف عليها كأخت، وكان هو اللي اقترح الفكرة دي بعد خناقة طارق في الشركة.

الشرطة دخلت المخزن وطلعت فادية وهي بتجر رجلها وبتعيط وتصرخ: “أنا ماليش دعوة! ده ابني هو اللي خطط لكل حاجة! أنا مظلومة!” وطارق كان بيتربط بالكلابشات وهو بيبص لمريم بنظرة كلها انكسار وغل وضياع تام.

الظابط بص لمريم وقال: “متخافيش يا فندم، القضية دي فيها خطف، سرقة بالإكراه، شيكات بدون رصيد، وتزوير أوراق رسمية.. العيلة دي مش هتشوف الشمس تاني لسنين طويلة”.

ركبت مريم عربية الإسعاف اللي جت مع البوليس عشان يطمنوا على الحمل. قعدت ورا وبصت من الشباك على طارق وأمه وهم بيتركبوا عربية الترحيلات، وحست إن كابوس تقيل وانزاح عن صدرها.

بعد مرور تلات سنين…

الجو كان ربيع، والشمس دافية وجميلة في حديقة نادي الصيد بالدقي.

مريم كانت قاعدة على ترابيزة خشب، ولابسة فستان أبيض رقيق، ووشها منور وبتحك ضحكة صافية من قلبها. مكنتش قاعدة لوحدها.. كان قاعد جنبها شريف، شريكها في الشركة، اللي بقى جوزها وشريك حياتها بجد. شريف كان باصص لها بكل حب واحترام، وماسك في إيده تابلت بيوريها أرقام نجاح فرع الشركة الجديد اللي فتحوه في دبي.

وفجأة، جيه بيجري عليهم طفل صغير، عنده حوالي سنتين ونص، عينيه شبه عيون مريم، وشعره ناعم، وبيضحك ضحكة مالية الوش.

“ماما! بابا شريف! شوفوا أنا جبت إيه!” الطفل قالها وهو بيوريها كورة صغيرة حمراء.

مريم أخدته في حضنها وبسته بكل حنان وقالت: “شاطر يا يوسف يا حبيب قلب ماما.. روح العب ومتبعدش عن عينينا”.

شريف مسك إيد مريم وطبطب عليها وقال: “أنا فخور بيكي يا مريم.. بكل حاجة وصلنالها، وبإبننا يوسف اللي مالي علينا الدنيا”.

مريم ابتسمت وبصت للسما وقالت: “الحمد لله يا شريف.. ربنا عوضني بيك وبالأمان اللي كنت محرومة منه”.

وفي وسط اللحظة الجميلة دي، تليفون مريم رن. بصت على الشاشة لقت رقم محامي الشركة. ردت عليه: “أيوة يا أستاذ عصام، خير؟”

صوت المحامي جه من الناحية التانية وكان فيه نبرة توتر غريبة: “أستاذة مريم.. أنا أسف إني بكلمك في يوم إجازتك، بس كان لازم أبلغك فوراً باللي عرفته من المحكمة الصبح”.

مريم حست بقبضة خفيفة في قلبها وقالت: “في إيه يا عصام؟”

المحامي أخد نفس وقال: “طارق الألفي.. تلت سنين في السجن مكانوش قليلين، بس محامين بتوعه قدموا نقض وقبلوا بيه بسبب ثغرة في إجراءات القبض بتاعة المخزن القديم.. طارق خرج براءة الصبح يا فندم، وخرج من السجن فعلياً من ساعتين.. وأول حاجة عملها إنه سأل على عنوان بيتك الجديد وعنوان الحضانة بتاعة يوسف!”

مريم تيبست في مكانها، الضحكة اختفت من على وشها، وبصت ليوسف اللي كان بيلعب بالكورة على بعد خطوات منها.. وفجأة، لمحت راجل واقف ورا شجرة بعيد، لابس نظارة سودا وبالطو غامق، وبيبص ليوسف وبيتكلم في الموبايل.. ولما حس إن مريم بصلته، قلع النظارة وبص لها مباشرة بابتسامة مرعبة.. كان طارق!

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى