
طفل صغير: “ماما… هي دي الرقاصة اللي بتحكيلي عليها كل يوم اللي قتلت ابوها وخانت خطيبها؟”
صفعته أمه على فمه بسرعة:
الأم: “اتكتم يامفضوح واخرس دلوقت!”
لكن غزل لم تلتفت يمينًا ولا يسارًا.
كانت عيناها مثبتتين على بيت أبيها… البيت المغلق منذ خمس سنوات بجنزير وقفل أكلتهما الصدأ.
البيت الذي مات فيه أبوها… واتهموها هي بموته.
كانت تمشي بخطوات ثابتة، وكعبها يضرب الأرض بقسوة.
كل طرقة منه كأنها مسمار يُدق في صدر الحارة.
شد يونس على عباءتها وهمس بخوف:
يونس: “ماما… الناس دي بتبص لنا ليه نظراتهم عاملة زي الأسد الجعان؟ هما خايفين مننا ولا اي شكلنا مرعب يعني ولا هما هيأذونا؟”
خفضت رأسها إليه قليلًا، وصوتها خرج هادئًا لكنه حاد:
غزل: “لا يا قلب ماما… مش خايفين مننا. خايفين من الحقيقة اللي جاية معانا… ومش مستعدين يسمعوها.”
رفع الطفل حاجبيه الصغيرين بحيرة:
يونس: “حقيقة إيه دي ياماما؟”
انقبض فكها، وتيبست شفتاها، لكنها لم تجبه.
هنا اندفع عم سيد ووضع الطاولة الخشبية في طريقها:
عم سيد: “امشي من هنا يابنت نصار الحارة مش عايزاكي وميشرفناش وجودك وسطنا حلي وروحي م طرح م جيتي مش ناقصة وساخة؟.”
توقفت غزل.
رفعت عينيها إليه لأول مرة.
وكانت النظرة كافية لتجعله يتراجع نصف خطوة دون أن يشعر.
غزل: “وساخة؟”
ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة، ثم قالت وهي تشير بإصبعها للأرض:
غزل: “الوساخة اللي بتتكلم عنها يا عم سيد… مدفونة تحت رجليك ف كل شبر ف الحارة. وإنت عارف. كلكم عارفين… وساكتين وسايبين لسانكم ينهش فيا بالباطل.”
ضرب الحاج عطية كفه في كفه وصاح:
الحاج عطية: أبوكي مات بحسرته بسبب فضيحتك انتي مجرمة ومكانك السجن!”
استدارت إليه غزل ببطء، وعيناها تقدحان شررًا.
غزل: “أبويا مات بسكينة في ضهره… في مخزنه… ليلة فرح فاطمة أخت جاسر. وانا عمري م اقتل ابويا ولا اكون سبب ف وجعه ولا ذله ابدا”
شهقت الحارة كلها دفعة واحدة.
تقدمت خطوة، وصوتها علا:
غزل: “انا مكنتش موجودة معاه وقتها ولما رجعت لقيته سايح في دمه. بدل ما تدوروا على اللي قتله عشان ياخد جزاءه جايين تحاسبوني انا ع المشاريب… لبستوني تهمة متخصنيش لا من قريب ولا من بعيد. “
غزل: القاتل لسه قاعد وسطكم. بيشرب شاي معاكم. وبيصلي الجمعة وعامل نفسه شيخ وبيخاف ربنا. يقتل القتيل ويمشي ف جنازته بكل بجاحة.”
ساد صمت ثقيل، كأن الحارة ابتلعت لسانها.
وتركتهم غزل… ومشت.
مخرطة جاسر
جاء بليه يركض كالمجنون، يتعثر في قدميه.
بليه: “يااا معلم! يا معلم جاسر! الحق!”
انتفض جاسر بعصبية:
جاسر: “ما تنطق يا زفت!”
ابتلع الصبي ريقه وقال بصوت متقطع:
بليه: “الست اللي في العربية… دي غزل! بنت الحاج نصار! رجعت… ومعاها عيل صغير ومش عارفين دا ابنها ولا لا بس بيقولها ياماما تفتكر خلفت ف الحرام يامعلم يطلع ابن مين دا؟!”
في تلك اللحظة…
توقف الزمن.
هدأ الحجر.
وسقطت السكين من يد جاسر على الأرض المعدنية بصوت حاد.
رفع رأسه ببطء شديد، كأن الكلمات لم تدخل عقله بعد.
جاسر: “إنت بتقول إيه؟”
بليه: “والله العظيم يا معلم! هناك اهي سمعت اهل الحارة مشكل كلام اد الشوال شوفتها. رايحة على بيت أبوها. ابقى الحقها يامعلم”
خرج جاسر من الورشة.
قدماه لا تحملانه، ومع ذلك كان يمشي.
كل خطوة كانت كأنها عبور فوق خمس سنوات من الغياب والقهر واللعنة.
ثم…
رآها.
خمسة أعوام وهو يحلم بهذه اللحظة ليقتلها.
وخمسة أعوام أخرى يحلم بها ليضمها إلى صدره.
شعرت غزل به.
استدارت.
والتقت العينان.
هو: نار، وحديد، وليل ثقيل.
هي: كسر، ودموع، وعباءة سوداء.
عشر ثوانٍ كاملة مرّت… كأن العمر كله انضغط فيها.
نزلت غزل يونس إلى الأرض، وضغطت على كتفه الصغير.
غزل: “بص يا يونس دا جاسر”
رفع يونس عينيه إلى جاسر.
تأمله بفضول.
ثم أشار إليه بإصبعه الصغير، وقال ببراءة هزّت المكان:
يونس: “ده اللي انتي قولتي عليه إنه بابا صح؟”
انشقت الحارة إلى نصفين.
شهقة جماعية خرجت من الأفواه، كأن أحدهم ألقى قنبلة في منتصف الشارع.
النسوة وضعن أيديهن فوق صدورهن، والرجال تبادلوا نظرات مذهولة، أما الأطفال فتعلقوا بأطراف أمهاتهم وهم لا يفهمون سوى أن مصيبة ضخمة وقعت.
صاحت امرأة من آخر الصف، وهي تضرب على فخذيها:
امرأة: “يا لهوي! يعني الواد ابنه ومن صلبه ؟! جابوه




