
معقول؟! هما أصلًا ما اتجوزوش لا ممكن بتكدب جاسر متربي وسطنا وعارفينه كويس
تدخل الحاج عطية وقد احمرّ وجهه غضبًا، ولوّح بكفه في الهواء:
الحاج عطية: “بتتبلى عليه! جاية بعد السنين دي تشيلي راجل عايش وسطنا شيلة مش بتاعته! روحي شوفي مين اللي غلطتي معاه بعيد عننا
لكن جاسر لم يسمع شيئًا.
كان العالم من حوله يتحرك بلا صوت.
كل الأصوات صارت بعيدة… بعيدة جدًا.
لم يرَ سوى الطفل.
اقترب منه بخطوات متعثرة، كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميه.
ركع أمامه ببطء، وركبتاه كادتا تخونانه.
ظل ينظر في وجه الصغير… في عينيه… في حاجبيه… في انقباض فمه… ثم مد يده المرتجفة يريد أن يلمس خده، لكنه توقف قبل أن يصل.
يونس ظل يحدق فيه بفضول طفولي بريء.
رفعت غزل ذقنها بتحدٍ، وتقدمت خطوة.
غزل: “بص كويس يا معلم. اسأل نفسك.
اسأل ليلة فرح فاطمة أختك اي اللي حصل بينا؟
كانت الكلمات كصفعات متتالية.
غزل: “لما قولتلي: استنيني…
ولما أخدت مني اللي إنت عايزه… وسيبتني مرمية بعيط ومنهارة. ومحدش شاف وشك من ساعتها وجريت زي الحرامية”
اشتعلت عينا جاسر، ونهض واقفًا دفعة واحدة كوحش طُعن في كبريائه.
جاسر: “كدابة! كدابة ومعجونة بمية كدب!
إنتِ هربتي! محدش ضربك على إيدك!
هربتي مع الفرقة… وروحتي ترقصي وتعري نفسك بالرخيص يا رخيصة!”
مع آخر كلمة، انطلقت همهمة خبيثة بين الواقفين.
لكن غزل لم تنكسر.
بل رفعت رأسها أكثر.
وفي عينيها ظهر احتقار موجع.
غزل: “أيوه. رقصت.
بعد ما هربت منكم… بعد ما شفت أبويا سايح في دمه قدامي ومحدش سندني.
بعد ما استنيتك تيجي تنقذني… وماجتش.
بعد ما عرفت إنك هتتجوز بنت الحاج عطية بعد أسبوع، وكأني ماكنتش موجودة في حياتك.”
شهق جاسر، والتفت بعنف للحاج عطية كأن المعلومة نفسها أهانته الآن.
لكن غزل لم تمنحه فرصة.
أشارت إلى يونس:
غزل: “رقصت عشان آكل.
عشان أعرف أعيش.
عشان أربي حتة منك… لوحدي.”
سرت رجفة واضحة في أصابع جاسر.
رجفة لم يستطع السيطرة عليها.
لكن عناده كان أكبر من صدمته.
قبض على ذراعها فجأة بعنف حتى شهقت.!”
نزعت ذراعها من قبضته
بتاعة واحد منكم وهعرفه وساعتها مش هقتله اقسم بالله ل اكل لحمه حتة حتة ومحدش هينجده مني.”
تراجع رجلان للخلف بلا وعي.
واختلجت ملامح أكثر من وجه.
أشارت إلى أهل الحارة جميعًا:
غزل: “أنا جاية آخد حق أبويا.
وحق ابني.
وحقي.
منكم كلكم.”
ثم ثبتت نظرها على جاسر وحده.
غزل: “وإنت أولهم.
فتحت حقيبتها الصغيرة.
أخرجت منها دبلة فضة قديمة، أكلها الصدأ.
دبلة باهتة… لكنها كانت كالرصاصة.
رمتها تحت قدميه.
رنّ المعدن على الأرض، فارتجف قلبه هو.
غزل: “دبلتك أهي.
خدها.
يونس مش هيشيل اسمك إلا لما الناس كلها تعرف إنه ابنك… ويعرفوا إني شريفة ومغلطتش معاك ف الحرام زي م هما فاكرين .
ولما أعرف مين اللي قتل أبويا واخد بتاري ع الأقل عشان اعرف انام كويس؟.”
ثم انحنت، حملت يونس بين ذراعيها، وضغطته إلى صدرها.
غزل: “يلا يا بابا… داخلين بيت جدك.”
أخرجت مفتاحًا قديمًا.
وضعتْه في القفل الصدئ.
استغرق فتح الباب ثواني طويلة، والحديد يصرخ من الصدأ كأن البيت نفسه يئن.
ثم دفعت الباب.
فُتح.
ودخلت.
ورزعته خلفها في وجه الحارة كلها.
وفي وجه جاسر.
بيت جاسر — بعد ساعة
كانت أم جاسر تولول وتلطم على خديها.
أم جاسر: “يا فضيحتي! يا جرستي! يا شمتاتة الناس فيّا!
الواد يقولك بابا؟! ابن الرقاصة يبقى حفيدي؟!”
أما فاطمة، أخته، فكانت تمشي في الصالة ذهابًا وإيابًا كقنبلة موقوتة.
فاطمة: “قوم يا جاسر! قوم ولّع في البيت بيها!
هتسيبها تفضحنا كدا؟!”
لكن جاسر كان جالسًا على الكنبة.
صامتًا.
في يده السكين التي كان يسنها صباحًا.
ينظر إليها فقط.
وكأنه يرى شيئًا آخر عليها… شيئًا أقدم من اليوم.
هزته أمه من كتفه بعنف.
أم جاسر: “ما ترد يا ابني! الواد ده ابنك ولا لأ؟!”
رفع عينيه ببطء.
صوته خرج خشنًا، مبحوحًا:
جاسر: “معرفش ياما.”
صرخت فاطمة:
فاطمة: “إزاي متعرفش؟! دي كانت خطيبتك مش مراتك هيكون حصل بينكم اي؟!”
وفجأة…
انفجر جاسر.
نهض كالإعصار، وصرخ حتى برزت عروق عنقه:
جاسر: “غزل ماكنتش خطيبتي وبس يافاطمة!”
سكتت الاثنتان.
“غزل كانت مراتي
على سنة الله ورسوله.
كتبت عليها في السر ومحدش كان يعرف ايوة دخلت عليهة وهي مرة الله اعلم ممكن يكون حملت بعدها ومقالتش.”
شهقت أمه، وأسندت يدها للحائط.
أم جاسر: “يا مصيبتي…”
أكمل وهو يضغط على الكلمات:
جاسر: “قبل ما أقول لأبوها اللي حصل انا كنت ناوي اعترفله بس ملحقتش هو مات. واتقتل.
وهي هربت مني
ومن يومها وأنا معرفش راحت فين. وعايشة ازاي؟”
فاطمة فتحت فمها مذهولة:
فاطمة: “لازم تتأكد دي مفيهاش”
قاطعها وهو يضرب السكين على الطاولة بعنف:
جاسر: “انا رايحالها.”
ثم قبض على السكين بقوة حتى ابيضّت مفاصله.”
رفعت فاطمة حاجبها:
فاطمة: “هتعمل إيه؟”
رفع جاسر عينيه، وفيهما تصميم مخيف:
جاسر: “هعمل تحليل DNA. انهردة عشان اخلص من الحيرة دي واعرف راسي من رجلي”
بيت نصار — ليل
البيت غارق في الظلام.
طبقات التراب فوق الأثاث.
خيوط العنكبوت في الزوايا.
لكن رائحة الحاج نصار ما زالت تسكن الجدران… خليط من التبغ والمسك والخشب العتيق.
جلست غزل على الكنبة المتهالكة.
يونس نائم فوق حجرها، رأسه الصغير ملتصق ببطنها.
كانت تمرر أصابعها في شعره بحنان غارق في التعب.
يونس: بنعاس “ماما… إحنا هنفضل هنا؟”
ابتسمت رغم الألم.
غزل: “شوية يا قلب ماما… لحد ما ناخد حق جدك.”
فتح نصف عين:
يونس: “وبابا؟”
تجمدت يدها.
مر طيف جاسر أمامها.
وجهه حين رأى الطفل.
ارتعاشة يده.
ونظرة الضياع في عينيه.
ابتلعت غصتها وقالت:
غزل: “لسه مايعرفش إنه بابا ياحييبي.”
ثم طبعت قبلة على جبينه:
غزل: “بس هيعرف وهيحبك اوي عشان قلبه طيب.”
في تلك اللحظة…
دوّى على الباب خبط واحد.
ثقيل.
حاد.
كأنه قبضة موت.
انتفضت غزل.
أنزلت يونس بحذر، وغطته ببطانية قديمة.
ثم تقدمت نحو الباب.
غزل: “مين؟”
جاءها الصوت من الخارج.
صوت أجش، ميت، تعرفه أكثر مما تعرف صوتها:
جاسر: “افتحي… أنا جاسر.”
حبست أنفاسها.
فتحت فتحة صغيرة.
كان واقفًا أمامها.
ضخمًا كجبل أسود في عتمة الليل.
وجهه بلا حياة.
وفي يده…
مطواة مفتوحة.
كان الظلام حالكًا كالكحل، يبتلع ملامح البيت والحارة معًا.
والهواء داخل بيت نصار مكتومًا، مشبعًا برائحة التراب العتيق والخشب الرطب وخيوط العنكبوت التي استوطنت الأركان منذ سنوات الغياب.




