منوعات

اول مضغضت علي الجرس

أول ما ضغطت على الجرس سمعت صوت خطوات بتقرب من ورا الباب

وقفت مكاني ثابتة والظرف لسه في إيدي

الباب اتفتح شوية وبانت الست اللي كانت لابسة الروب بتاعي

بصتلي من فوق لتحت وقالت باستغراب

— أيوه؟ حضرتك عايزة مين؟

بصيت لها في عينيها وقلت بهدوء

— عايزة محمود

وشها اتغير في لحظة

— محمود مش موجود

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت

— عارفة إنه موجود

وقبل ما ترد سمعت صوته من جوه

— مين يا سمر؟

الست اتجمدت مكانها

وأنا حسيت قلبي بيخبط في صدري

صوت محمود نفسه

الصوت اللي استنيته سنين

الصوت اللي كنت ببعت عشانه فلوسي وبتحمل الغربة عشانه

ظهر محمود من آخر الطرقة

وأول ما شافني وقف كأنه شاف شبح

عينيه اتفتحت على الآخر

— منى؟!

ما رديتش

فضلت باصة له وأنا بحاول أفتكر الراجل اللي سافر وهو بيحضني وبيقولي إنه مستنيني

بس الراجل اللي قدامي كان مختلف

لابس هدوم جديدة وساعة غالية في إيده ووشه مليان ثقة

قرب خطوة وقال بتوتر

— إنتي رجعتي إمتى؟

قلت له

— من شوية

بص على الشنط اللي ورايا وبعدين رجع بصلي

— طب… ليه ما قولتيليش إنك جاية؟

ضحكت بهدوء

— كنت عايزة أشوف مين هيستقبلني

سمر بصت له باستغراب

— هي دي مراتك؟

محمود بلع ريقه وقال

— أيوه… دي منى

رفعت عيني لسمر وقلت

— وإنتي بقى؟

قبل ما تجاوب محمود قال بسرعة

— سمر كانت بتساعدني في البيت

بصيت للروب اللي لابساه وبعدين بصيت له

— بتساعدك في البيت؟

سمر بدأت تتوتر

— أنا… أنا ماكنتش أعرف إنك راجعة

قلت لها

— واضح

وبعدين دخلت خطوة واحدة بس جوه البيت

أول حاجة شفتها كانت صورة كبيرة معلقة على الحيطة

صورتي أنا ومحمود يوم فرحنا

وقفت قدامها

الصورة كانت موجودة بس متغطية بطبقة تراب

مديت إيدي ومسحت التراب عنها

وقلت بصوت واطي

— الغريبة إن الصورة لسه هنا

محمود قرب مني وقال

— منى اسمعيني الأول

بصيت له وقلت

— لا

المرة دي إنت اللي هتسمع

سكت

طلعت الظرف من الشنطة وحطيته على الترابيزة

وشه اصفر أول ما شافه

— إيه ده؟

قلت

— ده السبب الحقيقي اللي رجعت عشانه

مد إيده ناحية الظرف

لكن أنا سحبته قبله

وقلت

— مش دلوقتي

سمر بصت لمحمود وسألته

— هو في إيه؟

محمود اتعصب

— سمر ادخلي جوه

قالت له

— بس أنا مش فاهمة حاجة

صرخت فيه

— قلتلك ادخلي!

دخلت سمر وهي بتبصلي بخوف

أما محمود ففضل واقف قدامي

قال بصوت مكسور

— منى أنا غلطت

هزيت راسي وقلت

— إنت ما غلطتش يا محمود

إنت اخترت

ودي حاجة تانية خالص

سكت شوية وبعدين قال

— كنت فاكر إنك مش هترجعي

ابتسمت

— وأنا كنت فاكرة إنك راجل يستاهل كل السنين اللي ضيعتها عشانه

نزل عينه في الأرض

قلت له

— بس اللي إنت مش عارفه إن الست شهور اللي فاتوا وأنا في إيطاليا ماكنتش بس بجمع فلوس

رفع عينه بسرعة

— كنتي بتعملي إيه؟

فتحت شنطتي وطلعت ورقة تانية

حطيتها قدامه

أول ما قرا أول سطر اتغيرت ملامحه تمامًا

— منى… إنتي عملتي كده؟

قلت له

— أيوه

— بس إنتي ماينفعش تعملي كده من غير ما ترجعيلي!

ضحكت لأول مرة من قلبي

— البيت ده اتبنى بفلوسي

وسكت لحظة وبعدين قربت منه وقلت

— وأنا رجعت النهارده علشان آخد حقي

لكن محمود فجأة رفع عينه وبصلي بنظرة غريبة وقال

— إنتي مش فاهمة يا منى…

اللي حصل السنتين اللي فاتوا كله مش زي ما إنتي فاكرة

وقبل ما أسأله يقصد إيه

سمعت صوت سمر من جوه البيت وهي بتصرخ

— محمود! بسرعة تعالى!

محمود جري ناحيتها

وأنا فضلت واقفة مكاني

لكن بعد ثواني سمعت سمر بتقول بصوت مرتعش

— هي عرفت كل حاجة؟!

ساعتها فهمت إن الخيانة اللي كنت فاكرة إنها نهاية حكايتي…

يمكن تكون مجرد بداية لحقيقة أخطر بكتير.

جريت ورا محمود وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني من كتر التوتر

دخلت الأوضة ولقيت سمر واقفة جنب السرير ووشها أبيض زي الميت

محمود كان واقف قدامها وبيهمس لها

— اهدي يا سمر

صرخت فيه

— إيه اللي بيحصل هنا؟

محمود لف ناحيتي وقال

— مفيش حاجة

ضحكت بسخرية

— مفيش حاجة؟ أنا سمعت سمر بنفسها بتقول إني عرفت كل حاجة

سمر بدأت تعيط وقالت

— أنا ماكنتش أقصد

بصيت لمحمود

— عرفت إيه يا محمود؟

فضل ساكت

قربت منه وقلت

— اتكلم

سمر مسحت دموعها وقالت

— محمود كان مخبي عليكي الحقيقة

قلت لها

— حقيقة إيه؟

بصت لمحمود وكأنها مستنية منه الإذن

لكن هو ما نطقش

فقالت بصوت مكسور

— البيت مش بيتكم زي ما إنتي فاكرة

حسيت الدنيا لفت بيا

— يعني إيه؟

محمود حاول يقاطعها

— سمر خلاص

لكنها كملت

— محمود باع البيت من سنة ونص

اتجمدت مكاني

بصيت له

— باع بيتي؟

قال بسرعة

— استني يا منى واسمعيني

صرخت

— إنت بعت البيت اللي أنا دفعت تمنه من فلوس غربتي؟

— أنا كنت مضطر

ضحكت وأنا مش مصدقة

— مضطر؟

طلعت الظرف وحطيته قدامه

— أنا بعتلك فلوس سنين علشان تسدد ديون البيت

— وعملت أكتر من كده

سمر قالت

— هو ماكانش بيبعتلك الفلوس كلها للبيت

بصيت لها

— أومال كانت بتروح فين؟

سكتت

محمود حاول يهرب من عيني

— كان عندي مشاكل

قلت

— مشاكل إيه؟

قال بصوت واطي

— كنت مديون لناس خطر

سكت للحظة

وبعدين قال

— ولما الديون كبرت بعت البيت علشان أخلص منهم

بصيت حواليّ وأنا مش قادرة أصدق

— طب وإنت عايش هنا إزاي؟

محمود رد

— البيت اتباع لحد من بره البلد

اتخضيت

— يعني إيه لحد من بره البلد؟

سمر قربت مني وقالت

— الراجل اللي اشترى البيت سايب محمود يعيش هنا مؤقتًا

بصيت لمحمود

— وإنت وافقت؟

هز راسه

— ماكانش قدامي حل

قلت له

— لأ يا محمود

كان قدامك حل

إنك تقول الحقيقة

لكن إنت اخترت تكذب عليا

سكت

قربت منه وحطيت الورقة قدام وشه

— عارف الورقة دي إيه؟

بص عليها

— إيه؟

قلت

— عقد شراء البيت

وشه اتغير

— إنتي جبتي العقد ده منين؟

ابتسمت

— من نفس المكان اللي جبت منه باقي الأوراق

— يعني إيه؟

قلت

— يعني أنا في إيطاليا ماكنتش بس بجمع فلوس

كنت بدور ورا كل حاجة حصلت هنا

محمود رجع خطوة لورا

— منى…

قاطعته

— وعرفت إن البيت اتباع

وعرفت إن الفلوس اللي كنت ببعتها ما اتدفعتش في الديون كلها

وعرفت كمان إن في تحويلات حصلت من حسابك لحساب واحدة تانية

بصيت لسمر

هي نزلت عينيها في الأرض

محمود قال بسرعة

— سمر مالهاش علاقة

قلت

— أنا ما قلتش إن ليها علاقة

سمر رفعت عينيها وقالت

— بالعكس

أنا اللي لازم أقولك الحقيقة

محمود صرخ فيها

— سمر اسكتي!

لكنها لأول مرة ما خافتش

وقالت

— لأ يا محمود

كفاية كذب

وبعدين بصتلي وقالت

— أنا مش مراته

اتجمدت مكاني

— يعني إيه؟

قالت

— أنا أخته

فضلت باصة لها ثواني

وبعدين بصيت لمحمود

— أخته؟

هز راسه

لكن قبل ما أتكلم سمر قالت

— وهو مخبي عنك حاجات أخطر من موضوع البيت

قلبي دق بسرعة

— إيه الحاجات دي؟

سمر فتحت درج الكومودينو وطلعت ظرف صغير

ناولتهولي وهي بتقول

— محمود كان مستني رجوعك علشان يعرف إذا كنتي لسه فاكرة إنك رجعتي لبيتكم…

وسكتت لحظة

وبعدين قالت

— ولا عرفتي إن البيت ده مش أكتر حاجة ضاعت منك.

فتحت الظرف بإيدي المرتعشة

وأول ورقة وقعت قدامي خلتني أنسى كل حاجة عن البيت ومحمود وإيطاليا

لأن الاسم المكتوب عليها كان اسم شخص عمري ما توقعت أشوفه في حياتي من تاني.

الورقة وقعت من إيدي وأنا مش قادرة حتى أمد إيدي آخدها

فضلت باصة للاسم المكتوب عليها وكأن عيني مش مصدقة اللي شايفاه

محمود قرب مني بسرعة وقال

— منى اديني الورقة

رجعت خطوة لورا

— لأ

سمر كانت واقفة بتبصلي ودموعها نازلة

قالت

— أنا حاولت أقنعه يقولك الحقيقة من زمان

بصيت لها

— الحقيقة عن مين؟

سكتت

بعدين قالت

— عن أبوكي

اتنفضت مكاني

— أبويا؟

محمود حط إيده على وشه وقال

— أنا ماكنتش عايزك تعرفي بالطريقة دي

صرخت فيه

— أبويا مات من سنين يا محمود!

رد بصوت مكسور

— أيوه… بس قبل ما  كان سايب حاجة ليكي

فتحت الورقة تاني

كان مكتوب فيها عنوان شقة في إسكندرية ورقم تليفون واسم رجل اسمه عماد

وتحتهم جملة قصيرة

“منى لازم تعرف الحقيقة قبل ما يوصله خبر رجوعها”

حسيت إن نفسي اتقطع

— مين عماد ده؟

محمود ما ردش

سمر هي اللي قالت

— عماد كان أقرب صاحب لأبوكي

قلت

— وكان ليه عنوانه في الورقة؟

محمود قال

— أبوكي قبل وفاته اكتشف إن في حد كان بيحاول ياخد حقك في أرض قديمة كانت باسم العيلة

ضحكت من الصدمة

— أرض؟

— أيوه

— وإنت كنت عارف؟

هز راسه

— من زمان

صرخت فيه

— وأنا كنت في الغربة  نفسي في الشغل علشان أبعتلك فلوس وأنت مخبي عني إن ليا حق؟

قال بسرعة

— كنت بحاول أحميكي

— تحميني من مين؟

سكت

سمر قالت

— من الناس اللي محمود استلف منهم

بصيت لها

— يعني إيه؟

قالت

— الأرض دي كانت الضمان اللي الناس دي عايزين يوصلوا له

بدأت أربط كل حاجة ببعضها

الديون

بيع البيت

الفلوس اللي اختفت

الخوف اللي كان في كلام محمود

وسألته

— إنت بعت البيت علشان تسدد ديونك؟

قال

— جزء من الديون

— والجزء التاني؟

ما ردش

قربت منه

— محمود أنا عايزة أعرف كل حاجة دلوقتي

قال وهو بيبص في الأرض

— باقي الديون كانت على اسمك

اتجمدت

— على اسمي أنا؟

— أيوه

— إزاي؟

طلع من جيبه ورقة مطوية

مدها لي

فتحتها

ولما شفت توقيعي حسيت إن الدنيا اسودت قدامي

— ده مش توقيعي

محمود قال

— عارف

بصيت له في عينيه

— مين اللي مضى مكاني؟

ما ردش

سمر قالت

— محمود

بصيت له

— إنت؟

فضل ساكت

وساعتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من جوز خان مراته

أنا كنت طول السنين دي ببعت فلوسي وأنا فاكرة إني بنقذ بيتي

لكن الحقيقة إن حد كان بيستخدم اسمي علشان يدفنني تحت ديون مش ديوني

حطيت الورقة على الترابيزة وقلت

— أنا هروح إسكندرية

محمود مسك دراعي

— لأ يا منى

سحبته منه بعنف

— إبعد عني

قال بخوف

— لو رحتي عند عماد هتعرفي حاجات مش هتعرفي ترجعي بعدها زي الأول

بصيت له بثبات

— أنا أصلًا مش نفس الست اللي سافرت من هنا من اتناشر سنة

وفجأة سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت

سمر بصت من الشباك واتغير لون وشها

— محمود…

قال

— مين؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى