منوعات

مكتب مدير القاعه

صوته كان فيه التوتر اللي كنت مستنيه.

— خير يا إسلام؟

— خير إيه يا بابا؟! البنك كلم حلمي بيه النهاردة وقالوا إن الشيك اللي أنا مديهولهم لدفعة المقاولات اترفض لعدم كفاية الرصيد! والعمال وقفوا شغل في موقع التجمع! أنت فاهم يعني إيه؟! حلمي بيه مجننون! وبيقول إن كده الشرط الجزائي هيتفعل والمشروع هيروح مننا!

سكت ثواني، وأخدت نفس هادي من سيجارتي.

— حلمي بيه؟.. ومين حلمي بيه ده يا إسلام؟

— حلمي بيه حمايا يا بابا! أنت بتستعبط ولا إيه؟! أصلك مش فاهم المصيبة، الراجل مديون للبنك ولو الشغل وقف البنك هيحجز على أملاكه وأملاك الشركة!

— ومين اللي قالك إنها شركتك؟

السكوت خيم على الناحية الثانية من الخط.

— يعني إيه يا بابا؟

— يعني أنت مجرد موظف في الشركة دي يا إسلام.. والنهارده الصبح، أنا شيلتك من منصبك، ولغيت تفويضك، وسحبت كل التوقيعات البنكية الخاصة بيك.

— أنت بتقول إيه؟! أنت اتجننت يا بابا؟! عشان إيه كل ده؟! عشان شوية مشاكل عائلية؟!

— مشاكل عائلية؟.. امم. زي مثلاً إن أمك اتكعبلت في الفرح وركبتها اتورمت؟

صوت إسلام اتلخبط، وسكت فجأة. سمعت صوت ماهينور جنبه بتهمس بغضب: “قوله إيه العبط ده! هو فاكر نفسه مين؟!”.

— بابا.. هي أمي حكتلك؟ دي.. دي كانت ساعة غضب، وأمي هي اللي دخلت في ممر خاص بالمعازيم الفيب، وكانت بتبوظ منظري قدام ناس كبار..

— بسسس.. اصه!

صوتي طلع واطي بس كان زي ضربة الخنجر.

— صوتك ما يعلاش.. ورجلك ما تطأش البيت ده ثاني. وأما بالنسبة لحلمي بيه نسيبك، فقوله يستعد.. عشان البنك مش بس هيحجز على أرض المشروع، أنا كمان بعت أوراق التنازل عن الديون لشركة تجميع ديون حوت في السوق، وخلال 48 ساعة هيكون مطلوب منه يسدد كل اللي حيلته، أو يلبس البدلة الزرقا.

— بابا! أنت بتهزر صح؟! أنت كده بتهد بيتي! ماهينور هتسيبني! حمايا هيرفع عليا قضايا!

— بيتك اتهد يوم ما زقيت الست اللي شالتك تسع شهور يا نطع. يوم ما شفت جزمتها طايرة في الأرض وما وطيتش تجيبها. روح بقى لـ ماهينور وخليها تنفعك.. وخلي أبوها الكبير يكتبلك شيك يصرفلك بيه على الفيلا اللي هسحبها منك بكرة الصبح!

قفلت الخط في وشه.. وقبل ما أحط التليفون على الترابيزة، عملتله بلوك.

الأيام اللي بعد كده كانت عبارة عن حريق متولع في بيت الألفي.

الخبر نزل زي الصاعقة في السوق: “رجب الصاوي ينسحب من مشروع التجمع ويطالب حلمي الألفي بشرط جزائي ويدخل الشركة في وضع التصفية”.

الأسهم بتاعة الألفي طاحت في الأرض، والبنك فتح تحقيق في ضمانات الأوراق المزورة اللي كان حلمي يقدمها. وفي خلال أسبوع واحد، حلمي الألفي جاله ذبحة صدرية ودخل العناية المركزة، والشرطة كانت واقفة على باب الأوضة بتستنى يخرج عشان ينفذوا أوامر الضبط والإحضار في قضايا شيكات بدون رصيد.

أما إسلام؟

ماهينور ما كملتوش أسبوعين. أول ما عرفت إن الحسابات اتجمدت، وإن الفيلا المأجرة سحبنا عفشها وفضيناها بالقانون، وإن السيارتين المرسيدس اللي كانوا باسم الشركة اتسحبوا منه، رفعت عليه قضية خلع، وغيرت كالون الشقة، ورمتله هدومه في شنط زبالة قدام البواب.

إسلام بقى في الشارع.. لا شغلانة، ولا فلوس، ولا نسايب بيهابوه، وعلى رقبته ديون للمقاولين اللي كان بيماطل معاهم باسم أبوه.

في ليلة شتا مطرة، الساعة كانت ثلاثة بعد نص الليل.

البرق كان بينور صالة الشقة، والمطر بيخبط على الزجاج بقوة.

كنت قاعد في الصالة بشرب شاي، وماجدة نايمة جوة بعد ما أقنعتها إن كل حاجة بخير، وأن إسلام مسافر في شغل تبع الشراكة الجديدة.

وفجأة.. سمعت خبط على باب الشقة.

مش خبط عادي.. ده كان صوت حد بيلطش على الخشب، صوت مسكون برعشة وبكاء.

قمت بالراحة، مشيت لحد الباب، وبصيت من العين السحرية.

كان إسلام.

هدومه مبلولة ومغرفة طين، شعره متبهدل، ووشه خاسس وكأنه ما ذاقش الأكل من أيام. كان قاعد على ركبه قدام الباب، وراسه مخبوطة في الخشب.

— بابا.. افتحلي يا بابا.. عشان خاطر ربنا افتحلي! أنا اترميت في الشارع يا بابا! ماهينور سابتني وأبوها اتحبس وأنا عليا أحكام ودين! ما فاضليش حد يا بابا.. أنا آسف، والله العظيم أسف! حط جزمتك على راسي بس افتحلي!

سمعت صوت خطوت هادية ورايا.

لتفت، لقيت ماجدة واقفة في الممر، لافة شالها حوالين كتفها، ودموعها نازلة على خدودها وهي سامعة صوت ابنها الوحيد بيبكي برة كالكلب الضال.

قربت مني، ومسكت إيدي، وعينها بتترجاني:

— رجب.. ده ابني.. افتحله يا رجب، عشان خاطري.

بصيت لماجدة، وبصيت للباب.

طلعت الفلاشة من جيبي، وحطيتها في إيد ماجدة.

— الفلاشة دي عليها تسجيل كاميرات الفرح يا ماجدة.. افتحي اللابتوب وشوفي ابنك وهو بيزقك في الحيطة، وبيتفرج عليكي وأنتي مكسورة تحت رجله عشان خاطر مراته.. وبعدها، لو لسه عايزاني أفتح الباب.. سارعي وافتحيه بنفسك.

ماجدة بصت للفلاشة، وبصتلي والذهول مالي وشها. مشيت برجلها اللي بتعرج ناحية الترابيزة، حطت الفلاشة في اللابتوب، وشغلت الفيديو.

وقفت وراها..

شافت نفسها وهي بتقع.

شافت إسلام وهو بيبصلها بقسوة ويمشي ويسبها في الأرض.

شافت فردة الجزمة وهي بتترزق برجليها.

الدموع اتجمدت في عين ماجدة. الشال وقع من على كتفها. وشه اتقلب لأبيض زي الغاز، وإيدها اللي كانت بتترعش عشان تفتح لابنها، اتقفلت وبقت زي الحجر.

قفلت اللابتوب بإيدها بسرعة، ووقفت.

بصتلي بصة طويلة.. ما كانش فيها حزن، كان فيها موت كامل لأي مشاعر أمومة كانت جواه ناحية الولد ده.

مشت بخطوات ثقيلة ناحية الباب، وقفت قدامه والولد برة لسه بيصرخ ويبكي:

— يا أمي! افتحيلي يا أمي! أنا ابنك يا حبيبتي! سامحيني يا أمي!

ماجدة حطت جبهتها على الخشب الصالب، وقالت بصوت جاف، خالٍ من أي رحمة، صوت مرعب ما سمعتوش منها في حياتي:

— أنت مالكش أم يا إسلام.. أمك اتكعبلت وماتت في الممر يوم فرحك.

وسكتت..

الولد برة بدأ يصرخ ويكسر على الباب بكل قوته، صوت صريخه كان بيختلط مع صوت رعد الشتا برة.

ماجدة لفت ضهرها، ومشت بخطوات ثابتة ناحية أوضتها، وقبل ما تقفل الباب، بصتلي وقالت:

— غير كالون الباب بكرة يا رجب.. عشان الدبان ما يدخلش علينا.

قعدت على الكرسي، رفعت كاس الشاي الشاف، وبصيت للباب اللي كان بيتهز من خبط إسلام.

الانتقام ما كانش الفلوس اللي راحت، ولا العيلة اللي اتدمرت.. الانتقام الحقيقي كان إن إسلام يقضي بقية عمره، برة الباب ده، بيخبط على قلب أمه اللي اتقفل بالأقفال.. ومش هيتفتحله ثاني أبداً.

وفجأة.. الخبط برة وقف تماماً.

وساد الهدوء.. هدوء مرعب، مفيش غير صوت المطر.

قمت بالراحة وبصيت من العين السحرية تاني..

الممر كان فاضي، والباب متبهدل طين.. بس كان في حاجة متروكة على الأرض قدام العتبة.

فتحت الباب بشويش وطلعت خطوة.

كانت العلبة القطيفة الكحلي.. علبة كبسولات الفضة بتاعة أبويا.

بس لما وطيت ورقعت العلبة وفتحتها.. لقيت جوة العلبة الورقة دي، مكتوبة بخط إسلام المترعش والدم مغرقها:

“أنا عارف إنكم مش هتسامحوني.. بس أنا رايح للمكان اللي مش هعرف أرجع منه، ولو حلمي الألفي طلع من السجن، قولوله إن الحساب اتقفل بالدم.”

سمعت في اللحظة دي صوت سرينة عربية إسعاف وشرطة جاية من بعيد، جاية من ناحية الكوبري القريب من البيت..

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى