روايات وقص

د مكتب وكيل النيابه

الراجل اتسحب للدور التاني، ووجه كشافه على البطاطين.. ولما مد إيده عشان يشد الدفتر من تحت القطة العميانة.. “صخر” ما هوهوش، وما أداش أي إنذار!

طلع من الضلمة زي السهم، وانقض على دراع الراجل المجهول بفك زي الصلب!

التسجيل كان بدون صوت، بس الصورة كانت مرعبة.. صراع حامي الوطيس بين الراجل اللي بيضرب بالعتلة في ضهر الكلب، وبين “صخر” اللي رفض يفرط في دراعه أو يخليه يلمس القطة أو الدفتر! الكلب انضرب ضربات مميتة في ضهره، ودمه غرق المكان، بس ما سابش الراجل غير لما طفّشه وخلاه ينط من الشباك وهو بيصرخ وسايب عتلته وكشافه وراه!

بعد ما الراجل هرب.. الكلب المجهد، الجريح، اللي بينزف من ضهره، زحف على بطنه لحد ما وصل للقطة العميانة اللي كانت بترتعش.. اترمى جنبها، وحط رأسه على دراعها، وغاب عن الوعي!

هنا.. الفيديو خلص.

الأوضة في القسم بقت زي المقبرة. وكيل النيابة كان عينيه معبأة دموع، والتفت ليا بصوت مخنوق: “يا حاج عماد.. الكلب ده مش بس أنقذ القطة.. الكلب ده حفظ حرز القضية اللي هيوقع شبكة نسيج كاملة من الفساد في البلد!”

قمت من على الكرسي، وجسمي كله بيرتعش من الهيبة، وقلت له: “يا بيه.. الرحمة مش بتتحسب بالبشر والحيوانات.. الرحمة دي روح ربنا حطها في الأجساد. الكلب ده فضّل الجوع والانضرب والموت على إنه يتخلى عن صاحبه الضعيف.. والجامد فينا ميعملهاش.”

على الفور، النيابة اتتحركت. قوة انطلقت للبيت ومعاهم خبير أدلة جنائية، وتم استخراج الدفتر والخزنة، واللي كشفوا عن أسماء كبيرة جداً في القضية كانت مستخبية ورا صبري الفولي!

أما “صخر” و”مشمشة”..

الطب البيطري أخد “صخر” وعالجوا جراحه اللي كانت في ضهره، والدكاترة ذهلو من قدرته على التحمل. وأنا.. مكنش ينفع أسيبهم.

أخدت موافقة رسمية، ورجعت بيهم على بيتي في شبرا.

فتحت باب بيتي العتيق، ودخلت “مشمشة” القطة العميانة في قفص حنين، ووراها “صخر” بيمشي بخطوات بطيئة، وضهره ملفوف بشاش أبيض.

أول ما دخلوا الصالة، “صخر” مشي لغاية الكنبة القماش القديمة، ونط بالراحة، وحط “مشمشة” جنبه، وناموا هما الاتنين في حضن بعض.. كأنهم أخيرًا وصلوا لبر الأمان بعد ملحمة عذاب استمرت تلاتة وستين يوم.

جلست على الكرسي الهزاز بتاعي، وبصيت للعينين العسلية اللي كانت بتبصلي من ورا ستارة شبرا.. بس المرة دي مكنش فيها خوف ولا انتظار. كان فيها امتنان هادي.

لكن.. القصة مخلصتش هنا.

بعد أسبوعين بالضبط من استقرارهم عندي، وأنا قاعد بشرب الشاي في البلكونة بالليل، و”صخر” ناجم تحت رجلي.. سمعت صوت صفارة عربية تريلا تهز الشارع، ووراها صوت خطوات جزمة تقيلة بتطلع السلم بتاعي..

الخطوات وقفت قدام باب شقتي..

“صخر” وقف فجأة، أذنيه اتنصبوا، وودانه بدأت تترعش.. وبدأ يطلع نفس الصوت البطيء المبحوح اللي سمعته أول مرة في البيت المهجور!

الباب اتخبط تلات خبطات متتالية بطريقة معينة..

ساعتها بس.. عرفت إن صاحب البيت الأصلي، صبري الفولي، مش هو الراجل الوحيد اللي كان يدور على الدفتر.. وإن فيه سر تاني أكبر بكثير كان مستخبي جوة جدران البيت ده، و”صخر” كان عارفه من الأول!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى