
بعد أسبوع، قررت أروح أزور فيلا التجمع الخامس للمرة الأخيرة قبل ما أبيعها. أنا مكنتش عايزة أعيش في مكان بيفكرني بالكدب. اتفقت مع مكتب عقارات كبير يعرضها للبيع، وكنت رايحة ألم بقية حاجاتي الشخصية والصور القديمة اللي مش عايزة حد يشوفها.
الفيلا كانت ضلمة وتراب خفيف بدأ يتجمع على العفش. مشيت في الممرات، دخلت الأوضة اللي شهدت ليلة الهروب. بصيت على السرير، على الدريسنج روم الفاضي. مكنتش حاسة بحزن، كنت حاسة بنظافة. وكأن البيت ده كان فيه طاقة سلبية واتطهرت.
وانا بفتح الدرج السري في مكتب حسام القديم عشان أراجع لو فيه ورق تبع الشركة منسي، لقيت صندوق قطيفة صغير مستخبي في أخر الدرج ورا ملفات قديمة. الصندوق مكنش غريب عليا.. ده الصندوق اللي حسام كان بيشيل فيه الحاجات المهمة جداً.
فتحت الصندوق. مكنش فيه مجوهرات ولا فلوس.
كان فيه مفتاح شقة غريب، ومعاه عقد بيع مسجل في الشهر العقاري لقطعة أرض كبيرة جداً في مرسى علم، الأرض دي مساحتها آلاف الأمتار، ومكتوبة باسم حسام ونيرمين شراكة بالنص، وتاريخ العقد كان من سنة فاتت! يعني قبل ما أكتشف الخيانة بشهور طويلة!
بس الصدمة مكنتش هنا.. الصدمة كانت في ورقة مطوية تحت العقد.
فتحت الورقة، وكان مكتوب فيها تقرير طبي صادر من مستشفى بريطاني كبير في لندن، بتاريخ حديث جداً.. قبل الهروب بأسبوعين بس. التقرير كان باسم “نيرمين علام”، ونتيجة التحاليل والفحوصات كانت بتقول إن نيرمين حامل في الشهر الثالث! وأن الجنين سليم تماماً!
وقفت مكان مبرقة. حسام كان دايماً بيقولي إن نفسه في طفل يشيل اسمه، وإن ده السبب اللي خلاه يبعد عني.. بس التقرير ده معناه إن فيه طفل جاي في السكة، طفل هيكون ابن حسام، وريث السلالة اللي حاول يبنيها بفلوسي وسرقته.
بس وأنا بقلب الورقة، لقيت ملحوظة مكتوبة بخط الإيد ورا التقرير، خط مكنش خط حسام.. كان خط نيرمين!
المكتوب كان عبارة عن رسالة موجهة لشخص تاني خالص، شخص اسمه “طارق”، ومكتوب فيها: “متخافش يا حبيبي، حسام فاكر الولد ابنه ومستعد يعمل أي حاجة عشاني وعشان البيبي، وهيوقع على عقود الأرض والشركة في مدريد باسمي واسم ابننا.. غبائه هو اللي هيأمن مستقبلنا ومستقبل ابنك الحقيقي. أول ما نوصل إسبانيا والفلوس تتحول، هخلص منه وأجيلك.”
نَفَسي اتكتم لثواني. الضحكة طلعت من قلبي صاخبة ومرعبة في وسط الفيلا الفاضية.
يا لسرخرية القدر! حسام اللي خان وسرق وافترى ودمر اتناشر سنة جواز عشان فاكر نفسه العبقري اللي مفيش منه، كان ملعوب بيه من الست اللي باع كل حاجة عشانها! كان رايح مدريد وهو فاكر نفسه ملك، ومكنش يعرف إنه كان مجرد “سبوبة” لـ نيرمين وعشيقها السرّي اللي اسمه طارق!
التليفون بتاعي رن في اللحظة دي. كانت فريدة المحامية.
— مريم، أنتي فين؟ جلسة المحاكمة الأولى اتحددت الأسبوع الجاي، وحسام باعتلي محامين بيترجوا نعمل تسوية عشان نيرمين تعبانة في السجن وبتقول إنها حامل! حسام قالب الدنيا وعايز يطلعها بكفالة عشان يضمن سلامة ابنه!
بصيت للورقة اللي في إيدي، ومسكت مفتاح الشقة الغريب وعقد الأرض، وابتسمت ابتسامة أشد سمّية من أي وقت فات:
— فريدة.. الغي أي كلام عن التسوية. وجهزي نفسك، لأن الجلسة الجاية مش هتبقى مجرد محاكمة.. دي هتبقى حفلة تخرج حسام من مدرسة الغباء الدولي. أنا معايا الورقة اللي هتخليه يتمنى السجن مية سنة ولا إنه يعرف الحقيقة اللي هتدبح رجولته المزيفة دي للأبد.
قفلت التليفون، حطيت الورقة في شنطتي، وخرجت من الفيلا وأنا بقفل الباب ورايا بالمفتاح.. والمرة دي، مكنتش مستنية الفجر، أنا كنت مستنية اللحظة اللي هبص فيها في عين حسام ورا القضبان، وأنا برمي في وشه الحقيقة اللي هتخليه يصرخ في الضلمة وميلاقيش حد يواسيه.




