
دخلنا أوضة وكيل النيابة بعد ما العسكري نده على اسمي. الأوضة كانت واسعة، مكاتب خشب قديمة، وملفات صفرا متكومة في كل حته. حسام كان قاعد على كرسي خشب، هدومه اللي كانت شيك ومكوية بالليل بقت متبهدلة، والبرفان الغالي اختلط بريحة عرق الخوف. نيرمين كانت قاعدة جنبه، مكياجها سايح من العياط، ونظارة الشمس اللي كانت لابسها في المطار محطوطة على المكتب مكسورة.
أول ما حسام شافني، قام وقف وعايز يجري عليا، بس العسكري قفشه من كتفه وقعده تاني.
— مريم! عشان خاطر ربنا.. متخربيش بيتنا! أنا غلِطت، الشيطان شاطر، بس مش لدرجة السجن! إحنا بينا عشرة، بينا اتناشر سنة!
بصيت له بكل برود وقعدت على الكرسي اللي قدام وكيل النيابة:
— العشرة دي يا حسام أنت اللي بعتها في ظرف فلوس وسوستة شنطة الساعة اتنين بالليل. أنت اللي نسيت العشرة لما حطيتلي منوم في الشاي ولما سميتني “فاشلة”.
وكيل النيابة خبط على المكتب بالقلم عشان الكل يسكت:
— يا فندم، إحنا هنا في تحقيق رسمي. مدام مريم، المتهم حسام السعيد بينكر تهمة التزوير، وبيقول إن التنازل عن أسهم شركة “الفايد للمستلزمات الطبية” تم برضاكي ورضا والدك قبل وفاته، وإن الفلوس اللي تحولت لحساب شركة “النور” (اللي هي ملك ابن عم المتهمة الثانية) كانت مقابل استشارات استيراد حقيقية. إيه ردك؟
فتحت الشنطة بتاعتي، وطلعت منها فلاشة صغيرة وحطيتها على المكتب:
— يا فندم، الفلاشة دي عليها تسجيلات صوت وصورة لـ حسام ونيرمين وهما بيخططوا في شقة الرحاب إزاي يزوروا إمضاء بابا بعد ما دخل العناية المركزة وقبل ما يموت بأسبوع. وعليها كمان تقرير من شركة الشحن الألمانية اللي إحنا بنتعامل معاها بيثبت إن شركة “النور” دي مأدتش أي خدمات، وإن الفواتير كلها مضروبة ومطبوعة في مطبعة تحت السلم في العتبة. وبخصوص التنازل عن أسهمي، أنا عمري ما مضيت على تنازل، والإمضاء اللي على العقد ده مأخوذ كربون من إمضاء قديم ليا على شيك ملغى.
نيرمين صرخت:
— كدابة! أنتِ اللي عايزة تنتقمي منه عشان عرف إنك مبتحمليش وعقيمة! أنتِ عايزة تدمريه!
بصيت لنيرمين ونظرتي خلتها تسكت من الخوف:
— أنا مش عقيمة يا نيرمين. أنا اللي مكنتش عايزة أجيب عيال من راجل خاين وحرامي. والتحاليل الطبية اللي حسام زورها عشان يقنعني إن العيب مني، معايا أصولها الحقيقية من المعمل اللي أثبتت إن هو اللي عنده مشكلة.. بس أنا سكتت السنين اللي فاتت دي كلها عشان مجرحش رجولته المزيفة. بس الظاهر إن اللطافة مع اللي زيه بتعلم قلة الأصل.
حسام انهار وبدأ يعيط بصوت عالي:
— مريم.. أنا هسيبلك كل حاجة، هتنازل عن كل حاجة، بس اسحبي البلاغ.. أبوس إيدك، أمي لو عرفت هتموت فيها!
— أمك يا حسام كانت عارفة إنك بتخوني، وكانت بتقولك “داري على شمعتك تقيد” لما كنت بتشتري لنيرمين غوايش بفلوس شركتي. العيلة دي كلها عاشت من خير أبويا، وجه الوقت اللي كل واحد يشيل شيلته.
وكيل النيابة بص في الورق وبعدين بص للحرس:
— حرزوا الفلاشة دي. وبناءً على المعطيات الجديدة وتقرير الطب الشرعي المبدئي.. يُقرر حبس المتهم حسام السعيد والمتهمة نيرمين علام أربعة أيام على ذمة التحقيق، ويراعى التجديد في الميعاد. فك الكلبشات من ورا يا عسكري ولمهم على الحجز.
صوت الكلبشات وهي بتقفل على إيد حسام وإيد نيرمين كان أحسن مزيكا سمعتها في حياتي. نيرمين كانت بتجر رجليها وهي بتعيط وتدعي عليا، وحسام كان بيبصلي بنظرة مكسورة، نظرة راجل عرف إنه خسر كل حاجة في ليلة واحدة.. الفلوس، الوجاهة، الحرية، والست اللي كانت ساندة ظهره وهو فاكرها “جارية” في بيته.
خرجت من مبنى النيابة، الشمس كانت بقت حامية في شوارع القاهرة. ركبت عربيتي ورحت على مقر الشركة الرئيسي في مصر الجديدة. أول ما دخلت، الموظفين كلهم وقفوا. الإشاعات بتجري في السوق أسرع من النار في الهشيم، وكلهم كانوا عارفين إن فيه مصيبة حصلت لحسام في المطار.
دخلت مكتب المدير العام، المكتب اللي حسام كان بيقعد فيه ويفرد ضهره وراء المكتب الخشب العريض. قعدت على الكرسي بتاعه، وبصيت على السكرتيرة:
— اجمعيلي كل مديري الأقسام في قاعة الاجتماعات كمان عشر دقائق.
في الاجتماع، كانت الوجوه كلها قلقانة. المدير المالي، مدير المبيعات، مدير المخازن.. كلهم كانوا متعودين إن حسام هو اللي بيمشي الليلة. وقفت في رأس الترابيزة، نفس المكان اللي كان حسام بيحب يقعد فيه:
— صباح الخير يا جماعة. من النهاردة، الأستاذ حسام السعيد ملوش أي صلة بشركة “الفايد للمستلزمات الطبية”. الشركة رجعت لأصحابها الحقيقيين. الشغل هيمشي زي ما هو، ومفيش أي حركات حسابية أو تحويلات هتتم من غير إمضائي الشخصي. اللي عايز يكمل معايا ويشتغل بضمير، مكانه فوق راسي ومكافأته هتزيد. واللي كان بيلعب لحساب حسام أو نيرمين من تحت الترابيزة.. يقدم استقالته حالا قبل ما أطلب له شرطة الأموال العامة هنا في المكتب.
كلهم سكتوا، وبعدين المدير المالي، الراجل العجوز اللي كان شغال مع بابا من عشرين سنة، ابتسم ووقف وصقف:
— حمد الله على السلامة يا ست مريم. الشركة نورت بأصحابها. إحنا كنا حاسين إن فيه حاجة غلط بس مكنش بإيدينا حاجة. النهاردة بس روح الحاج عبد الحميد هترتاح في تربتها.
الاجتماع خلص، والكل رجع لشغله بحماس مكنتش بشوفه أيام حسام اللي كان بيعاملهم بتعالي وقرف. رجعت مكتبي، قعدت وبدأت أراجع العقود الحقيقية وفواتير الشحن. الشغل كان كتير، والمسؤولية كبيرة، بس لأول مرة من سنين كنت حاسة بطاقة غريبة، حاسة إني حرة.
عدى شهرين.
حسام ونيرمين اتجدد لهم الحبس تلات مرات، والقضية تحولت لمحكمة الجنايات. المحامية بتاعتي قالتلي إن موقفهم ميؤوس منه، وإن حسام غالباً هياخد من ٧ لـ ١٠ سنين سجن مشدد بسبب التزوير والاختلاس، ونيرمين هتاخد حكم مش أقل من ٥ سنين كشريك أساسي.
في يوم، جالي جواب من السجن. الجواب كان من حسام. خطه كان بيترعش والورقة متبهدلة. كان كاتب فيه:
“مريم.. أنا بموت هنا كل يوم مية مرة. نيرمين رمت كل التهم عليا في التحقيقات وقالت إن أنا اللي ضحكت عليها، وأهلي اتبروا مني ومحدش بيجي يزورني. أنا عارف إني غلطت في حقك، وعارف إن الطمع عماني. أنا مش طالب منك تسامحيني، بس طالب منك ترحميني. خلّي المحامي بتاعك يعمل تسوية، وأنا هتنازل عن أي حاجة تطلبيها، بس مش عايز أقضي عمري ورا القضبان. ارحمي الراجل اللي كنتي في يوم من الأيام بتنامي في حضنه.”
قريت الجواب، ومرفتليش شعره. قطعت الورقة ميت حتة ورميتها في باسكيت الزبالة. حسام مكنش ندمان على خيانته ليا، حسام كان ندمان على غبائه وعلى إنه اتمسك. الراجل اللي يبيع مراته وصاحبة عمره عشان ليلة ولا عشان كام مليون، ميعرفش يعني إيه رحمة، والعدل بيقول إن اللي يغلط يدفع الثمن لآخر مليم.




