
الساعة بقت تلاتة ونص الصبح. السكون اللي في الفيلا مبقاش مخيف، بالعكس، بقيت حاسة إن الحيطان اللي كانت كاتمة على نفسي السنين اللي فاتت دي كلها بدأت تتنفس معايا. نزلت المطبخ، عملت كباية قهوة سادة، وقعدت على الكرسي الهزاز قدام الشباك الكبير اللي بيبص على الجنينة. التليفون على التربيزة جنبي مبيطلش زن، شاشة الموبيل بتنور وتطفي.. حسام.. نيرمين.. حسام.. نيرمين. المكالمات ورا بعض زي ضربات قلب واحد خايف، واحد بدأ يحس إن الأرض بتتهز تحت رجليه بس لسه مش فاهم الزلزال جاي منين.
أنا مكنتش بمثل البرود، أنا كنت بردانة فعلاً من جوايا. طول عمري بسمع جملة “اتقي شر الحليم إذا غضب”، ومكنتش بحسها لحد الليلة دي. حسام افتكر إن البنت اللي اتجوزها وهي لسه متخرجة من تجارة عين شمس، البنت اللي كانت بتنزل مع أبوها مخازن السبتية وتشم ريحة الكرتون والأدوية، نسيت أصلها لما عاشت في الكومباوند ولبست ألماظ. هو نسى إن أبويا، الحاج عبد الحميد الفايد، الله يرحمه، علمني إزاي أقرا السوق، وإزاي أعرف المورد النصاب من نظرة عينه، وإزاي أخلي المحامي يكتب عقد يربط أي حد من رقبته.
المكالمة رقم خمستاشر من حسام. المرة دي قررت أرد. رفعت السماعة وحطيتها على ودني وسكت. مكنتش عايزة أبدأ بالكلام، كنت عايزة أسمع صوته وهو بيتحول من النبرة الفرعونية لنبرة الفأر المحبوس.
— مريم! مريم أنتي سامعاني؟ أنتي عملتي إيه؟ مريم ردي عليا متبقيش باردة!
صوته كان طالع مخنوق، وفي الخلفية كان فيه صوت دوشة المطار، النداءات الداخلية، وصوت جرجرة الشنط على الأرضية الرخام.
— أهلاً يا حسام. منمتش ليه؟ مش المفروض طيارتك لمدريد كمان ساعتين؟
— طيارة إيه وزفت إيه! الحسابات مقفولة ليه؟ الفيزا الجولد بتاعتي ارفضت وأنا بشتري حاجات من السوق الحرة، ولما دخلت على الأبلكيشن لقيت رسالة “تم تجميد الحساب بناءً على أمر قضائي”! مريم.. أنتي ليكي يد في الكلام ده؟ أنتي واعية أنتي بتعملي إيه؟
ضحكت ضحكة خفيفة، صوتها طلع رنان في المطبخ الفاضي:
— واعية جداً يا حبيبي. أصل أنا مكنتش نايمة لما غيرت كوبايات الشاي. البابونج بتاعك كان طعمه حلو؟ على فكرة، المنوم اللي أنت حطيتهولي ده نوعه رخيص ومفعوله بطيء، شركة “الفايد” عندها بدائل مستوردة أحسن بكتير لو كنت سألتني.
— أنتي.. أنتي كنتي صاحية؟
— وصورتك وأنت بتسرق الساعات والظروف من الدريسنج روم مصلحة الضرائب ونيابة الأموال العامة شفتها لايف. أنا مركبة كاميرات خفية في الأوضة من تلات شهور يا حسام. من يوم ما شميت ريحة نيرمين في بيتي.
صوته سكت لثواني، سمعت صوت نفس عالي ومكتوم، وبعدين نيرمين خطفت منه التليفون، صوتها كان مسرسع ومليان غل وقلق:
— اسمعي يا بت أنتِ! فاكرة نفسك هتعملي فيها ذكية؟ حسام معاه تنازلات وتوكيلات عامة منك ومن أبوكي قبل ما يموت، الشركة باسمه، والفلوس اللي في الحسابات دي فلوسنا، إحنا هناخدهم بالقانون، وأنتي هتقعدي في الشارع تولولي!
— نيرمين حبيبتي.. أهلاً يا شاطرة. منورة المطار بنظارة الشمس بالليل. قوليلي، الألماظ اللي في إيدك مريح؟ أصل الألماظ ده بتاعي، بتاع أمي، ومكتوب في قائمة المنقولات بالجرام والعيار. أما بالنسبة للتوكيلات.. فالحاج عبد الحميد الفايد لما مات، التوكيل بتاعه اتلغى تلقائياً بحكم القانون، ودي معلومة تدرس في أولى حقوق يا دكتورة. وبالنسبة للتوكيل اللي معايا من حسام؟ أنا لغيته من أسبوع وعملت لك إعلان على يد محضر على عنوان شقتك القديمة في فيصل.. أصل أنا عارفة إنك مأجرة شقة جديدة في الرحاب بفلوس جوزي، بس قولت أسيبك تتفاجئي.
حسام رجع خد التليفون تاني، وصوته كان بيترعش:
— مريم.. بلاش جنان. إحنا ممكن نتفاهم. أنا في صالة المطار والناس بتبص عليا. الموظف هنا بيقولي إن فيه أمر منع من السفر طالع باسمي واسم نيرمين من مكتب النائب العام.. ده تهريج صح؟ أنتي بتخوفيني؟
— أنا مبخوفكش يا حسام. أنا بنفذ. القضايا اللي مرفوعة عليك مش قضية نفقة وطلاق.. دي قضايا اختلاس، تزوير في أوراق رسمية، غسيل أموال عن طريق الشركة الوهمية اللي عملاها نيرمين باسم ابن عمها “مدحت علام”، وتهريب نقد أجنبي. البلاغ اتقدم رسمي الساعة حداشر بالليل، وأمر المنع من السفر والتحفظ على الأموال طلع استثنائي وبسرعة لأن المستندات اللي قدمتها المحامية بتاعتي مخرتش المية. طيارتكم هتطلع بعد شوية يا حسام.. بس من غيركم.
قفلت السكة في وشه. مسبتلوش فرصة يرد.
الساعة بدأت تقرب من خمسة الصبح. النهار بدأ يشقشق بنور رمادي خفيف فوق فيلات التجمع. قمت غيرت هدومي. لبست بدلة سودا شيك، نفس البدلة اللي كنت بلبسها لما كنت بنزل مع بابا المخازن والشركات الكبيرة. لميت شعري، وحطيت روج أحمر غامق. مكنتش رايحة المحكمة، كنت رايحة لمكان تاني خالص.. فرع البنك الرئيسي في وسط البلد، وبعده على مقر الشركة في مصر الجديدة.
على الساعة سبعة الصبح، التليفون رن تاني. المرة دي الرقم كان غريب. رديت.
— ألو، مدام مريم الفايد؟
— أيوة، أنا.
— أنا الرائد أحمد فتحي من شرطة ميناء القاهرة الجوي. معالي المستشار أمر بضبط وإحضار المتهم حسام السعيد والمتهمة نيرمين علام بناءً على البلاغ المقدم من سيادتكم ورقم القضية… هما حالياً معانا في مكتب ترحيلات المطار وجاري نقلهم لنيابة الأموال العامة بالعباسية لبيت التحقيق. مطلوب حضورك أو حضور المستشار القانوني بتاعك لتقديم أصول المستندات.
— أنا في الطريق يا فندم، والمحامية بتاعتي هتحصلني على هناك بأصول الشيكات والعقود المتزورة. شكراً لجدارتكم.
قفلت التليفون وخدت نفس عميق. نزلت ركبت عربيتي. وأنا بفتح البوابة وببص على الفيلا في المراية، حسيت إن الهم اللي كان جاسم على صدري السنين اللي فاتت دي كلها اتبخر. حسام كان فاكر إن الست لما بتحب بتعمى، وهو صح، أنا كنت عميا.. بس لما فتحت، شفت كل حاجة بوضوح مرعب.
الساعة عشرة الصبح، قدام مبنى النيابة في العباسية.
المكان كان زحمة، وعساكر ومحامين داخلين وخارجين. وقفت عربيتي ونزلت، لقيت فريدة المحامية بتاعتي مستنياني على السلم، ومعاها شنطة جلد سودا مليانة ورق. فريدة دي صاحبة عمري من أيام المدرسة، وهي اللي سهرت معايا الليالي اللي فاتت نرتب الورق زي ورق الكوتشينة عشان نكسب الجولة الأولى والضربة القاضية.
— مريم! كل حاجة تمام — فريدة قالت وهي بتعدل نظارتها — الورق كله جاهز، وتقرير الخبير الاستشاري اللي بيثبت التزوير في إمضاء بابا الله يرحمه في عقود تنازل الأسهم بقى على مكتب وكيل النيابة. حسام ونيرمين جوة من ساعة، ومنهارين.
— نيرمين عاملة إيه؟ — سألتها وأنا بمشي معاها في الممر الضلم بتاع المبنى.
— نيرمين بتصوت وبتقول ماليش دعوة، حسام هو اللي قالي وهو اللي كان بيمضيني، وحسام قاعد حاطط راسه بين رجليه ومش نطق بكلمة. الصدمة لحست دماغه. كان فاكر نفسه هيصحي في مدريد يشرب قهوة في “بلازا مايور”، لقى نفسه بياكل حلاوة في العباسية.




