
“شيرين، اسميعني،” مريم حاولت تخلي صوتها هادي وناعم عشان تمتص غضب شيرين، “طارق دلوقتي بيموت، أو اتعمى، أو حصله عاهة مستديمة من البودرة اللي شربها.. هو أخد عقابه من ربنا في نفس اللحظة. لو عملتي فيا حاجة دلوقتي، إنتي مش هترجعي حقك، إنتي هتقضي بقية عمرك في السجن المؤبد. أحمد عريسي والشرطة زمانهم بيدوروا عليا دلوقتي.”
في اللحظة دي، صوت سرينة عربية شرطة ظهر من بعيد، الصوت كان بيقرب من ناحية كورنيش النيل في اتجاه الفندق.
شيرين اتخضت، وعينيها زاغت. بصت للقزازة اللي في إيدها وبصت لمريم. الغل اللي في قلبها كان عاميها: “مش هتمشي من هنا سليمة يا مريم! لو أنا حياتي باظت، حياتك لازم تبوظ معايا!”
شيرين رفعت إيدها بالقزازة وطلعت تجري على مريم وهي بتصرخ.
مريم ما استنتش. بحركة سريعة، لمت ديل الفستان التقيل وحدفته في وش شيرين وهي بتقرب. القماش الأبيض المنفوش والتل الكتير غطى وش شيرين وعماها لثواني. شيرين اتكعبلت في الفستان ووقعت على الأرض، والقزازة اتنطرت من إيدها واتكسرت على الأسفلت، ومية النار بدأت تأكل في أرضية الجراج وتطلع دخان بريحة نفاذة ومرعبة.
شيرين صرخت وهي بتحاول تقوم، بس مريم كانت أسرع، جريت في اتجاه الباب الحديدي بتاع الفندق، دخلت قفلته وراها بالترباس وهي بتنهج ونفسها طالع نازل كأنها كانت في سباق موت.
سندت ضهرها على الباب الحديدي، وغمضت عينيها. دموعها اللي حبستها طول الليلة نزلت أخيراً. دموع قهر، ودموع فرج في نفس الوقت.
تليفونها اللي كان محطوط في جيب صغير سحري في الفستان بدأ يرن بهستيريا. شاشته نورت باسم “أحمد”.
مريم فتحت الخط وإيدها بترتعش: “أحمد…”
صوت أحمد كان طالع متقطع ومذعور، والضوضاء حواليه عالية جداً، صوت دكاترة وممرضين وأجهزة مستشفى: “مريم! إنتي فين؟ إنتي كويسة؟”
“أنا كويسة يا أحمد.. أنا في الفندق. طارق ماله؟ إيه اللي حصل؟”
أحمد سكت ثانية، وصوته اتملى برعب حقيقي وهو بيقول: “الدكاترة هنا قلبوا الدنيا يا مريم.. طارق ما شربش مادة سامة عادية.. طارق شرب جرعة مركزة جداً من مخدر مغيب للعقل مخلوط بمادة بتعمل شلل مؤقت في الأعصاب. الدكاترة بيقولوا إن الجرعة دي لو كانت دخلت جسم حد وزنه قليل.. زي جسمك إنتي مثلاً.. كانت هتوقف قلبه في ثواني ويموت فورا!”
مريم حست إن الدم اتجمد في عروقها. طارق كان ناوي يقتلها! ما كانش ناوي يخدرها بس! البودرة كانت سم قاتل بالنسبة ليها، بس عشان جسم طارق أتقل وضخم، الجرعة عملت له شلل وتشنج بس ما موتهوش في الحال.
أحمد كمل كلامه وصوته بيموت من الخوف: “بس مش ده المرعب يا مريم.. المرعب إن طارق أول ما فاق من الغيبوبة لمدة ثواني قبل ما يدخلوه العناية المركزة، مسك في رقبة أبوه وهو عينيه طالع منها الدم، وقال كلام مش مفهوم.. بس الدكاترة سجلوا كل حاجة عشان الشرطة.”
مريم بلعت ريقها بصعوبة: “قال إيه يا أحمد؟”
“قال إن الورق الحقيقي بتاع الأرض مش مع شيرين، وإن شيرين كانت مجرد ستار.. وقال إن اللي خطط لكل ده من سنتين.. واللي ورا شيرين وطارق.. واللي دفع لطارق عشان يخلص منك الليلة دي وياخد الأرض…”
أحمد سكت، ومريم حست إن دقات قلبها وقفت تماماً وهي مستنية الكلمة.
“مين يا أحمد؟ انطق!”
صوت أحمد اتهز وهو بيقول: “قال إنه أبوكي يا مريم.. الحاج عزوز! هو اللي كان عايز يخلص منك عشان الأرض ترجع له هو، وطارق لما عرف، ابتزه.. أبوكي هو اللي كان شاري البودرة يا مريم!”
مريم نزلت التليفون من على ودنها ببطء. النور في الممر الخلفي للفندق بدأ يرعش هو كمان.
لفت وشها وبصت من الخرم الصغير اللي في الباب الحديدي اللي بيطل على الجراج.
شيرين ما كانتش برا. الجراج كان فاضي تماماً.
بس تحت عمود النور اللي بيرعش.. كان فيه خيال راجل واقف، لابس بدلة سودا كاملة، وماسك في إيده سبحة كهرما بيفرك في حباتها بالراحة.
الراجل رفع راسه وبص في اتجاه الباب الحديدي مباشرة، وتحت ضوء النور الضعيف.. مريم شافت وش أبوها، الحاج عزوز، وهو بيتبسم لها نفس الضحكة الملوية اللي كان طارق بيضحكها.
أبوها ما راحتش المستشفى مع طارق.. أبوها كان مستنيها برا.




