روايات وقص

ندي

سهير قالت

“كان فيه فلوس وشركات وأراضي متسجلة بأسماء ناس تانية وأبوكي اكتشف إن في حد بيسحب فلوس من غير علمه”

ندى بدأت تفتكر

أبوها طول عمره كان بيقول لها إنها ماتسألش في شغله

وكان دايمًا لما حد يسأله عن فلوسه يقول

“أنا مأمن مستقبل بنتي”

ندى بصوت ضعيف قالت

“يعني أنا كان ليا فلوس؟”

سهير ردت

“كان ليكي أكتر مما تتخيلي”

ندى بصت لكريم

“وإنت كنت عارف؟”

كريم سكت

“من أول يوم؟”

“أيوه”

“وأمي كانت عارفة؟”

“أيوه”

ندى ضحكت من شدة الصدمة

“طب ليه عملتوا فيا كده؟ ليه خلتوني أحس إني مليش قيمة؟”

كريم قرب منها

“علشان نخبّيكي”

“تخبوني من مين؟”

سهير قالت

“من الشخص اللي كان بيدور عليكي”

ندى اتجمدت

“مين؟”

سهير فتحت الورقة اللي في إيدها

“عمك سامح”

ندى شهقت

“سامح؟”

سامح كان أخو أبوها الوحيد

الراجل اللي بعد وفاة أبوها وقف جنبهم في كل حاجة

الراجل اللي ندى كانت فاكرة إنه أكتر شخص بيحبها

سهير كملت

“أبوكي اكتشف إن سامح كان جزء من اللي بيحصل”

ندى حطت إيدها على بوقها

“بس عمي هو اللي كان بيزورني كل أسبوع وأنا صغيرة”

كريم قال

“وده بالضبط اللي كان مخوف أبوكي”

ندى بصت له

“إنت كنت بتراقبني علشان عمي؟”

“كنت بتابع تحركاته”

“وأنا؟”

كريم سكت

“كنت بتابعني أنا كمان؟”

هز راسه

ندى دموعها نزلت لأول مرة

“يعني كل مرة كنت بتقول إنك مشغول في الشغل كنت بتكون بتراقبني؟”

“أيوه”

“وكل مرة كنت بتخانق مع أمي وتسكتني كنت بتعمل كده علشان الخطة؟”

كريم قال بصوت مكسور

“في البداية آه”

ندى مسحت دموعها

“وفي النهاية؟”

كريم بص لها ومقدرش يرد

سهير قالت

“في النهاية كريم حبك بجد”

ندى بصت له

كان عينه مليانة دموع

لكنها ما قدرتش تصدقه

قالت

“لو كنت بتحبني بجد كنت قلتلي الحقيقة”

كريم قرب منها

“لو قلتلك الحقيقة كنتي هتصدقي؟”

ندى ردت من غير تردد

“كنت هصدقك لو كنت الوحيد اللي واقف جنبي”

سكت كريم

الكلام وجعه

سهير فتحت الشنطة تاني وطلعت فلاشة صغيرة

وقالت

“أبوكي ساب دي”

ندى أخدتها

“إيه دي؟”

“تسجيلات”

“لتسجيلات مين؟”

سهير بصت لكريم

“لأبوكي”

ندى حطت الفلاشة في إيدها

وفي اللحظة دي موبايلها رن

رقم غريب

ردت

“ألو؟”

مافيش رد

وبعدين سمعت نفسًا تقيلًا

وبعد ثواني صوت راجل قال

“ندى”

قلبها وقف

الصوت كان مألوف

قديم

صوت كانت سمعته مئات المرات وهي طفلة

ندى همست

“عمي سامح؟”

الصوت ضحك

“كنت مستني اليوم ده من سنين”

ندى بصت لكريم

كريم أول ما سمع الصوت اتغير وشه

سامح قال

“لو فتحتي الفلاشة هتعرفي أبوكي خبّى عنك إيه”

ندى سألته

“إنت كنت السبب في موت أبويا؟”

سكت سامح ثواني

وبعدين قال

“أبوكي ما ماتش زي ما قالولك”

ندى شهقت

كريم قرب منها

“اقفلي”

لكنها فضلت ماسكة الموبايل

سامح كمل

“وأبوك لسه عايش”

ندى وقعت منها الفلاشة على الأرض

وسهير حطت إيدها على بوقها

أما كريم فغمض عينيه كأنه كان عارف إن اللحظة دي هتيجي

ندى بصت له

“إنت كنت عارف إن أبويا عايش؟”

كريم ما ردش

ندى صرخت

“كنت عارف؟!”

وفجأة الخط اتقفل

وفي نفس اللحظة وصلت رسالة على موبايل ندى

كانت صورة جديدة

ندى فتحتها

ولقت راجل كبير قاعد على كرسي في أوضة ضلمة

وشعره أبيض

ولحيته طويلة

لكن ملامحه كانت واضحة

ندى وقعت على الأرض وهي بتبص للصورة

لأن الراجل ده كان أبوها

وتحت الصورة رسالة واحدة

“لو عايزة أبوكي يرجعلك عايش لازم تبعدي عن كريم قبل الفجر”…

الجزء الأخير

ندى فضلت باصة للصورة ومش قادرة تستوعب اللي قدامها

أبوها اللي دفنته بإيديها من سبعتاشر سنة طلع عايش

والأغرب من كده إن كريم كان عارف

بصت له وهي بتعيط وقالت

“إنت كنت عارف إن أبويا عايش؟”

كريم نزل عينه وقال

“أيوه”

الكلمة كانت كفيلة إنها تكسر آخر حاجة جواها

“من إمتى؟”

“من أول ما اتجوزنا”

ندى قامت وهي بتترعش

“يعني تمن سنين يا كريم؟ تمن سنين وأنا كل يوم أفتكر أبويا وأعيط عليه وإنت عارف إنه عايش؟”

“كنت بحاول أوصله وأرجعهولك”

“كداب”

“والله مش كداب”

سهير تدخلت وقالت

“ندى اسمعيه”

ندى صرخت فيها

“إنتي كمان كنتي عارفة!”

سهير سكتت

ندى ضحكت وسط دموعها

“أنا الوحيدة اللي مكنتش عارفة”

وفجأة موبايلها رن تاني

نفس الرقم

ندى ردت

“فين أبويا؟”

صوت سامح قال

“تعالي المكان اللي هبعتهولك ولو جيتي لوحدك هتشوفيه”

كريم قال بسرعة

“ما تروحيش”

ندى بصت له

“أنا رايحة”

“ندى ده فخ”

“وأنا مش هسيبه هناك عشان إنت خايف”

سامح بعت لها اللوكيشن

كان مخزن قديم في أطراف شبرا الخيمة

ندى أخدت مفاتيح عربيتها

كريم حاول يمنعها

لكنها قالت له

“لو حاولت تمنعني هبلغ الشرطة بكل اللي أعرفه”

كريم سكت

وبعد لحظات قال

“هروح معاكي”

ندى ردت

“لأ”

“أنا الوحيد اللي عارف المكان”

ندى بصت له

“يبقى هتفضل جنبي بس من غير ما تتكلم”

وصلوا بعد نص ساعة

المكان كان مهجور وضلمة

ندى نزلت من العربية وقلبها بيخبط

كريم مسك كشاف ومشي قدامها

دخلوا المخزن

وفي آخر المكان كان فيه باب حديد

كريم فتحه

ندى أول ما دخلت شافت راجل قاعد على كرسي

وشعره أبيض ووشه هزيل

لكن عينيه كانت نفس عيني أبوها

الراجل رفع رأسه

وقال بصوت مبحوح

“ندى”

ندى ما قدرتش تتحرك

وبعدين جريت عليه

وقعدت على الأرض قدامه وحضنته وهي بتنهار من العياط

“بابا”

أبوها فضل يعيط وهو ماسك وشها

“كبرتي يا بنتي”

“إنت كنت فين؟”

“كنت محبوس”

“ليه؟”

أبوها بص لكريم

وبعدين قال

“علشان أحميكي”

ندى قامت وبصت لكريم

“كل ده كان علشان يحميني؟”

أبوها قال

“كريم عمل اللي طلبته منه”

ندى سكتت

أبوها كمل

“قبل ما أختفي اكتشفت إن سامح سرق فلوس كتير وحاول يقتلني لما عرف إني هبلغ عنه”

ندى قالت

“بس ليه الناس قالت إنك مت؟”

“سامح زوّر أوراق وفبرك حادثة وخلى الكل يصدق إني مت”

“وإنت ليه ما رجعتليش؟”

أبوها مسح دموعه

“لأن سامح كان بيراقبك طول الوقت”

ندى بصت لكريم

“وعشان كده جوزتني كريم؟”

أبوها هز راسه

“كريم كان ابن صاحبي الوحيد اللي وثقت فيه”

ندى قالت

“بس هو وجعني”

أبوها بص لكريم

“عارف”

كريم قرب وقال

“أنا غلطت يا عمي”

ندى بصت له

“أكبر غلطة إنك صدقت إن حمايتي معناها إني أعيش من غير ما أعرف الحقيقة”

كريم سكت

وفجأة صوت عربية وقف برا

كريم انتبه

“حد جه”

أبو ندى اتوتر

وبعدين سمعوا صوت سامح

“انتهت اللعبة يا محمود”

ندى بصت لأبوها

“هو عارف إننا هنا”

سامح دخل ومعاه اتنين رجالة

لكن قبل ما يقرب كريم طلع موبايله وقال

“اتأخرت يا سامح”

سامح وقف

كريم كمل

“كل كلامك اتسجل”

سامح بص له بغضب

“إنت خنتني؟”

كريم ابتسم

“أنا عمري ما كنت معاك”

سامح حاول يهرب

لكن رجال الشرطة دخلوا المكان في نفس اللحظة

واتضح إن كريم كان بلغهم قبل ما يوصلوا

سامح اتقبض عليه

وبعد أيام ظهرت الحقيقة كاملة

الأوراق والتسجيلات أثبتت سرقته وتزويره ومحاولته إخفاء والد ندى

أما الشقة اللي عاشت فيها ندى تمن سنين فاتضح إنها فعلًا ملكها

وأبوها كان مسجلها باسمها من قبل ما تتجوز

ولما رجعت ندى لبيتها القديم لأول مرة وقفت قدام الباب فترة طويلة

كريم كان واقف بعيد

قال لها

“أنا مش هطلب منك ترجعيلي”

ندى بصت له

“كويس”

اتوجع لكنه سكت

كملت

“لأني مش عايزة أرجع لنفس الست اللي كنتها”

كريم قال

“ولو عايزة تبدأي من جديد؟”

ندى ابتسمت

“أنا بدأت فعلًا”

وبعد شهور ندى فتحت مشروع صغير باسم أبوها

وأبوها بدأ يتعالج ويرجع لحياته واحدة واحدة

أما سهير فكانت أول مرة تقعد قدام ندى من غير ما تأمرها بحاجة

وقالت لها

“أنا ظلمتك”

ندى ردت بهدوء

“إنتي مش مطالبة تنسي اللي حصل”

سهير هزت راسها

“بس نفسي تسامحيني”

ندى بصت لها وقالت

“المسامحة حاجة والرجوع لنفس العلاقة حاجة تانية”

وبعد سنة كاملة وقف كريم قدام ندى في نفس المكان اللي حطت فيه مفاتيح الشقة ليلة ما سابته

طلع المفتاح من جيبه وحطه قدامها

وقال

“المرة دي أنا مش جاي آخدك معايا”

ندى بصت للمفتاح

“أمال جاي ليه؟”

قال

“جاي أقولك إنك كنتي طول عمرك صاحبة البيت وصاحبة القرار وأنا أخيرًا فهمت ده”

ندى ابتسمت

“اتأخرت أوي يا كريم”

قال

“عارف”

وساب المفتاح ومشي

ندى فضلت واقفة تبص له وهو بيبعد

وبعدين بصت للمفتاح

ولأول مرة من سنين ما حسيتش إنها محتاجة حد يقرر عنها

لأنها أخيرًا عرفت الحقيقة

وعرفت كمان إن أكبر سر في حياتها ما كانش إن أبوها عايش

ولا إن البيت كان باسمها

ولا حتى إن جوازها بدأ كجزء من خطة

أكبر سر كان إنها كانت أقوى بكتير مما كل الناس حاولوا يقنعوها

ومن يومها ندى ما بقتش الست اللي بتستنى حد يقول لها تعمل إيه

بقت هي اللي بتقرر

هي اللي تختار

وهي اللي تقفل الباب لما تحس إن كرامتها بقت تمنها غالي

أما المفتاح اللي حطته على الترابيزة ليلة العزومة

فاحتفظت بيه

مش علشان تفتكر كريم

لكن علشان كل ما تبص له تفتكر اليوم اللي اختارت فيه نفسها لأول مرة

وتفتكر إن أوقات خسارة شخص بتكون هي أول خطوة علشان الإنسان يرجع لنفسه…

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى