
سألته
إمتى؟
قال
كل جمعة.
وبعدين
بص لأبوه وقال الجملة اللي خلت جوزي يقع على الكرسي
وبابا بييجي ياخد أخويا منها قبل ما يرجعلك من الشغل.
رفعت عيني لجوزي وقلبي كان بيضرب بسرعة لدرجة حسيت إنه هينفجر من صدري
مراتك التانية مين؟
لكن ابني شد هدومي وقال بصوت مرتعش ومليان خوف
ماما الست اللي في الصورة أنا شوفتها عند تيتة.
سألته بلهفة ويدي كانت بتترعش وهي تمسك كتفه الصغير
إمتى يا حبيبي؟ إمتى شوفتها؟
قال وعيونه بتتحرك بيني وبين أبوه اللي لسه قاعد زي الحجر ولا حركة منه
كل جمعة كل مرة أروح عند تيتة، بلاقيها قاعدة معاها في الأوضة الكبيرة، وبيكون معاها ولد صغير أصغر مني شوية.
وبعدين بص لأبوه بدموع بدأت تتراقص في عيونه وقال الجملة اللي خلت جوزي يقع على الكرسي ويده تترنح على الطاولة قدامه
وبابا بييجي ياخد أخويا منها قبل ما يرجعلك من الشغل بيجي وهو لسه بملابس الشغل، وبياخده من الباب ولا يكلم حد، ومرات تانية بيجلس معاها شوية قبل ما يمشي.
سكت الدنيا كلها في البيت. ما سمعتش غير صوت تنفس ابني السريع، وصوت دقات الساعة القديمة اللي كانت معلقة على الحيطة، وقلبي اللي كان بيطرق في وداني
كأنه جرس بيدق نذير شؤم.
بصيت لجوزي، وعيوني كانت مليانة دموع ما نزلتش لحد دلوقتي، من الصدمة اللي شلت كل جسمي. كان لسه عينيه مفتوحة على وسعها،
وبص لابنه كأنه بيشوفه لأول مرة، وشفاهه بتتحرك بلا صوت، كأنه بيحاول يقول حاجة لكن الكلام ماټ في حلقه.
قل لي مين هي؟ صوتي خرج مبحوح، بالكاد سمعته أنا نفسي قل لي يا كريم، مين الست دي؟ وولدك اللي معاها ده إيه؟ وكل السنين اللي فاتت كنت بتخدعني؟ كنت بتعيش معايا وانت عندك بيت تاني وولد تاني؟
حرك راسه ببطء، كأنه صار له سنين ما حركه، وقال بصوت ضعيف مكسور
مش زي ما بتتخيلي يا سلمى صدقيني، مش زي ما بتتخيلي.
وإيه اللي ممكن يكون غير كده؟ صړخت عليه، ودموعي أخيرًا نزلت ساخنة على خدي ابنك الصغير قال إنك بتروح هناك كل جمعة، وإنك عندك عقد جواز قديم قبل ما تتجوزني بسنتين، وإن أمك عارفة وبتساعدك وتخبي كل ده عني! وكنت عارف إن أمك بتعلم ابني يشهد زور ضدي وقلت لي إنها بتختبره؟ إيه تاني اللي مش عارفاه؟ إيه تاني اللي بتخبيه؟
وقفت أمامه، وكل الذكريات اللي فاتت بدأت تتراقص قدام عيني كأنه فيلم بيتعرض بسرعة چنونية الساعات اللي كان بيتأخر فيها في الشغل ولا بيرد على تليفوناته، العذر اللي كان بيقوله دايماً الشغل كتير ومش فاضي، المبالغ اللي كانت بتختفي من فلوس البيت وبيقول إنها مصاريف طارئة، نظرات أمي له لما كنت أشوفها بتكلمه في ركن وتخفض صوتها لما أقرب، وحتى نظرات الناس لما نخرج مع بعض كأنهم عارفين
حاجة أنا مش عارفاها. كل ده كان إشارة، وكل ده كان واضح، لكن قلبي اللي كان بيحبه كان بيصدق كل كلمة يقولها، وبيقول لي هو جوزك
ومش ممكن يخدعك.
كرم بص لي، وشفت الدموع بتلمع في عيونه، أول مرة أشوفه بيعيط فيها طول سنين جوازنا الخمسة. قام ببطء وقرب مني، لكني رجعت لورا بخطوة، مش قادرة أسمح له يقرب مني ولا يلمسني، كأنه صار شخص غريب، شخص أخر غير الراجل اللي عشت معاه كل ده الوقت.
متقربش مني قلت له ببرود قول الحقيقة بس. خلصني.
تنهد بعمرة، وجلس تاني على الكرسي، ومد يده ياخد الظرف اللي لسه مفتوح على الطاولة، وطلع منه ورق تاني غير عقد الجواز والصورة.
الست دي اسمها نادية قال بصوت هادئ ومتعب بنت عمي، كانت ساكنة معانا في نفس البيت قدام. كنت صغير، وعمتي وأمي كانوا متفقين من زمان إننا نتجوز. حصل جوازنا عرفي من غير ما حد يعرف، غير العيلتين، كنت عندي ٢١ سنة وهي ١٨.
سكت شوية، ويده كانت بتلعب بزاوية الورقة بقلق
بعد سنة من الجواز، حصل خلاف كبير بيني وبينها، وقلت لها إننا لازم ننفصل، وقلت لأمي وعمتي كده. هم رفضوا، وقالوا ده عيب وسمعة، وإننا لازم نكمل. لكني كنت مصمم، وسافرت شوية بره القاهرة، واعتقدت إن الموضوع انتهى. بعد سنتين قابلتك يا سلمى وحبيتك بجد، وحسيت إنك النص التاني اللي كنت ببحث عنه.
تجوزنا، وعشت معاكِ أسعد أيام حياتي، ونسيت كل حاجة حصلت قبل كده.
ونسيت إنك لسه متجوزها؟ قاطعته بحدة نسيت إن العقد لسه موجود؟ ولا كنت فاكر إنها ماټت؟
هز راسه بأسى
كنت فاكرها وافقت على الانفصال، وإن أمي وعمتي عملوا اللازم. لكن بعد ما تجوزنا بسنة، جاتني أمي وقالت لي إن نادية لسه بتعتبر نفسها مراتي، وإنها عايزة ټفضحني وتقولك كل حاجة، وتدمر بيتنا. وقالت لي
الحل الوحيد إنني أتعامل معاها بهدوء لحد ما تنسى أو تتجوز حد تاني، وإنها هي اللي هتكلمها وتقنعها. وافقت خوفًا عليكِ، خوفًا إنك ټتأذي، وخوفًا إن بيتنا يتدمر. وكل ما كنت أروح لها، كان پصرخة من أمي، تقول لازم تروح تطمنها، تقول لازم تعطيها فلوس عشان متتكلمش، تقول لازم تاخد الولد لما يشوفك عشان يحس إنه لسه عنده أب.
والولد ده؟ سألته وقلبي بيتقطع الولد ده ابنك حقًا؟
أيوه قال بصوت مكسور اسمه يوسف، عنده أربع سنين. عرفت بوجوده بعد ما تجوزنا بسنتين. أمي جاتني وقالت لي نادية خلفت ولد مني، ومش عايزة حد يعرف، وإنها عايزة تربيه لوحدها بس لازم أكون موجود عشانهم ماديًا ومعنويًا. وافقت يا سلمى وافقت ڠصب عني، خوفًا من الڤضيحة، وخوفًا إنك تتركني لو عرفتي.
وكل ما كنت أحاول أتكلم معاكِ في أي حاجة، كانت أمي تقف في طريقي، تقول الراجل اللي يعترف بغلطته بيتخسر كل حاجة، وتقول أنا بحميك وبحمي بيتك.
وحمتك كده؟ قلت بضحكة مريرة حماتك كانت بتدمرني وتدمر بيتك من جوا! كانت بتعلم ابني الصغير ېكذب ويشهد زور عشان تخليني أخرج من حياتك، وكانت بتخبي عني إنك عندك بيت تاني وولد تاني، وكانت بتلعب بينا كلنا زي ما هي عايزة! وكنت عارف بكل ده؟ وكنت تسكت؟
كنت ضايع يا سلمى صړخ هو كمان، ودموعه نزلت كنت بين نارين! بينك وبين ابني اللي ما ذنبوش حاجة، وبين أمي اللي ربتني ومش عارف أتعارض معاها! كنت خاېف أخسرك، وخاېف أكون ظالم لولد تاني! وكل ما كنت أحاول أخرج من الحفرة اللي وقعت فيها، ألاقي نفسي أعمق أكتر!
سكتنا تاني، ولا حد فينا عارف يكمل الكلام. ابني كان لسه واقف جنبي، ومسك يدي الصغيرة بكل قوة، كأنه بيحس بخۏفي وبيحاول يطمني. بصيت له، لقيت عيونه بتتراقص من الخۏف، وقلبي اتقطع أكتر لما شفت إنه هو اللي دفع التمن لغلطات الكبار، هو اللي كان لازم يخبي الأسرار ويكتم الكلام خوفًا من العقاپ، وهو اللي كان بيضيع بين حب أبوه وحب أمه.




