
الأسانسير نزل بيّ، وأنا حاسة إن المبنى كله بيلف. رجلي مكنتش شايلاني، بس كان فيه حاجة جوايا بتغلي، نار هادية كدة أبرد من التلج وأشد من العاصفة. خرجت من البرج الفخم في التجمع الخامس والهوا الساقع خبط في وشي. سامح كان فاكر إنه كسربني لما خلاني أسيب شغلي، فاكر إنه لما يربطني بـ 32 ألف جنيه للبيت والبنت هيخليني مجرد عروسة خشب يتحكم في خيوطها زي ما هو عايز.
ركبت عربيتي القديمة، مشيت في الشوارع الفاضية والدموع محبوسة في عيني، بس مش دموع حزن.. دي دموع قهر بيتحول لغضب صافي. وصلت البيت، فتحت الباب بالراحة عشان مفيش حاجة تصحي فريدة. دخلت أوضتها، بصلتها وهي نايمة وزحت خصلة شعر من على وشها الصغير. البنت دي هي السبب اللي خلاني أستحمل شحططة القرش وكسرة النفس كل ما أطلب منه فلوس لمصاريف المدرسة أو دكتور.
مشيت بخطوات بطيئة ناحية مكتب أبويا.. الله يرحمه. المهندس محمود، الرجل اللي بنى اسم محترم في سوق العقارات والمقاولات قبل ما يموت فجأة من 3 سنين. دخلت الأوضة، ريحة الأوراق القديمة والجلد كانت لسه فيها. فتحت الدولاب الخشبي المتقفل بمفتاح صغير كان متعلق في سلسلتي. طلعت الدوسيه الأزرق التقيل اللي سابهولي قبل ما يسلم الروح، الدوسيه اللي قال لي عليه يومها: “يا ليلى، ده أمانتك وحقك، متفتحيهوش غير لما تحسي إن الدنيا ضاقت بيكي ومفيش ظهر تسندي عليه.”
قعدت على الأرض، وفتحت الفايل. الأوراق كانت عبارة عن عقود تأسيس، أسهم بأسماء مستعارة، وشهادات إيداع في بنك استثماري أجنبي، بالإضافة لشهادات ملكية 40% من أصول شركة “سيراميك ومواد بناء” كبيرة جداً، هي المزود الرئيسي والأول لكل مشروعات “مجموعة العز” اللي سامح شغال فيها مدير تنفيذي!
مش بس كده.. أبويا كان كاتبلي ملكية قطعة أرض مساحتها 15 فدان في التجمع، هي نفس الأرض اللي “مجموعة العز” بقالها سنتين بتحاول تشتريها بكل الطرق عشان تبني عليها مشروعها الأكبر “هايبريد تاورز”، والأرض دي متسجلة باسم شركة أوفشور مسجلة في بنك أوف بنما، وأنا المالك الوحيد والشرعي للشركة دي!
سامح ومجلس إدارة الشركة كانوا فاكرين إن الأرض دي ملك راجل أعمال خليجي مجهول، وكانوا بيموتوا عشان يوصلولوا ويدفعوا فيه مئات الملايين. سامح كان واخد توكيل إدارة كامل للمفاوضات دي، وكان حاطط عمولته فيها اللي هيترقى بيها ويبقى شريك في المجموعة!
ضحكت.. ضحكة عالية وسط ظلام الأوضة. جوزي العزيز، اللي شايفني شحاتة باخد منه مصروف الشهر بالقطارة، بيلعب في ملعبي وأنا اللي ماسكة الخيوط كلها من غير ما يدري.
الساعة كانت 3 الفجر لما باب الشقة اتفتح. سامح دخل بخطوات مرعوبة، وشه أصفر زي القماش القديم، العرق مغرق قميصه، وشكله يقطع القلب.. لو مكنتش أعرف قذارته.
دخل الأوضة ولقاني قاعدة على الكرسي، الدوسيه مقفول في إيدي، وبصاله ببرود.
— ليلى.. أنتِ لسه صاحية؟
قرب مني وهو بيحاول يمثل دور الزوج المكسور اللي ندمان، نزل على ركبه قدامي وحاول يمسك إيدي:
— ليلى أرجوكي.. اديني فرصة أشرحلك. الفيديو.. الفيديو اتسرب. الموظفين كتبوا على الجروبات، ومجلس الإدارة طلبني لبكرة الصبح الساعة 9 في اجتماع طارئ. أنا هضيع يا ليلى.. مستقبلي هيروح!
بصلتله بجمود وقلت بصوت هادي جداً:
— مستقبلك راح من سنتين يا سامح.. من الساعات اللي كنت بتقضيها مع ياسمين في الشقة أبو 60 ألف جنيه، وأنا بقلب القرش عشان أجيب لفريدة أكل نضيف.
— أنا آسف! والله العظيم شيطان وضحك عليا! ياسمين دي ولا حاجة.. أنا هطردها بكرة، هرميها في الشارع! بس أنتِ اقفي معايا.. لو سيبتيني دلوقتي، رئيس مجلس الإدارة هيطردني، والشرط الجزائي هيدمرني!
قمت وقفلت الدوسيه بحركة حاسمة:
— أنت مش هتروح الاجتماع ده عشان تدافع عن نفسك يا سامح.. أنت هتروح عشان تسمع قرار طردك.
— أنتِ بتشمتي فيا؟ بدل ما تسنديني في أزمتي؟
صوته بدأ يعلى ونبرة التهديد والتكبر بدأت ترجعله تاني:
— انسى بقى دور الضحية ده! أنتِ حتة ست بيت مابتفهميش في الشغل ولا في البيزنس! لو أنا وقعت، أنتِ وبنتك مش هتلاقوا تأكلوا! فاهمة؟ الـ 32 ألف اللي مش عاجبينك دول مش هتشمي منهم جنيه واحد! هتقعدي في الشارع يا ليلى!
ابتسمت ابتسامة صدمته. قربت منه لحد ما بقيت قصاد وشو تماماً وقلت بكل هدوء:
— الشارع ده هو المكان اللي أنت هتسكن فيه قريب قوي يا سامح. تصبح على خير.. عشان بكرة وراك يوم طويل.
الساعة 8:30 صباحاً.
مقر مجموعة “العز” للإنشاءات في التجمع الخامس.
سامح كان قاعد في قاعة الاجتماعات الكبيرة، وشه شاحب، الموظفين والمديرين بيدخلوا وبيبصوا له بنظرات فيها قرف وسخرية مكتومة. ياسمين مكنتش موجودة، أجهزة الأمن في البرج كانوا منعوها تدول المبنى بمرسوم إداري من الفجر.
دخل “حسين العز”، رئيس مجلس الإدارة، راجل في الستينات من عمره، صلب، ملامحه حادة زي السيف. قعد على رأس الطاولة، وبص لسامح بصة خلت سامح يتمنى لو الأرض تنشق وتبلعه.
حسين العز:
— طبعاً أنت عارف احنا هنا ليه يا سامح. الفضيحة اللي حصلت إمبارح في زوم اتسجلت، والملف بقى على تليفون نص الموظفين، وغير إن ده قلة أدب وكسر للوائح الشرف الإداري، ده بيضر بسمعة الشركة وسهمها في السوق.
سامح بنبرة متوسلة:
— يا حسين بيه.. أنا بعتذر، ده كان خطأ فردي، ياسمين استغلت…
حسين قاطعه بضربة إيد على الطاولة هزت القاعة:
— أخرس! متلميش قذارتك على غيرك! أنت مطرود يا سامح. استقالتك يإما تترفع للمحكمة بتهمة الإضرار بسمعة الشركة واختلاس أموال الترفيه.
سامح اتجمد مكانو:
— طرد؟ يا فندم أنا ماسك ملف أرض التجمع! أنا الوحيد اللي بصرّف مع المحامي بتاع الشريك الأجنبي! لو مشيت الأرض دي هتروح مننا، ومشروع الـ “هايبريد تاورز” هينهار!
في اللحظة دي بالظبط، باب قاعة الاجتماعات اتفتح.
دخلت أنا.
كنت لابسة بدلة رسمية سوداء أنيقة جداً، شعري مرفوع، وفي إيدي شنطة جلد فاخرة، وورايا المحامي الخاص ببابا، الأستاذ فاروق، أكبر محامي تجاري في مصر.
القاعة كلها سكتت. سامح بصلي وهو مش مصدق عينيه. وشه اتحول من الصفار للبياض الناصع.
— ليلى؟! أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ أطلعي برة دي اجتماعات سرية!
ما ردتش عليه ولا إديتلو اعتبار. مشيت بخطوات ثابته ورزينة ناحية حسين العز، مديت إيدي بثقة:
— أهلاً يا حسين بيه.. أنا ليلى محمود، المالك والمدير التنفيذي لشركة “أورورا” القابضة، والمالك الحصري لأرض التجمع الخامس.. وكمان الشريك المساهم بـ 40% في شركة مصانع مواد البناء اللي بتورد لشركتكم.
حسين العز وقف بسرعة والذهول باين على وشه، هز إيدي بحفاوة:
— مدام ليلى؟! أنتِ مالك شركة “أورورا”؟ احنا بقالنا سنتين بنجري ورا المحامي بتاعكم عشان نخلص عقد الأرض!
قعدت على الكرسي المكرس لرؤساء مجالس الإدارة، والأستاذ فاروق فتح شنطته وطلع المستندات الأصلية ورصها على الطاولة قدام حسين العز.
سامح كان واقف، أطرافه بتترعش، مش قادر يستوعب، بيحاول يجمع الأفكار زي اللي جاتله سكتة دماغية:
— أنتِ.. أنتِ بتكتبي إيه؟ أرض إيه؟ أنتِ مجرد.. أنتِ مكنتيش بتشتغلي! أنتِ بتاخدي المصروف مني!
لتفتت له وبصيت له بجمود كأنه حشرة:
— المصروف اللي كنت بتديهوني بالقطارة عشان تذلني بيه؟ الـ 32 ألف اللي كنت بتمن عليا وعلى بنتك بيهم وأنت بتدفع لعشيقتك 60 ألف إيجار وعقد بـ 2 مليون؟ أنا كنت ساكتة وبستحمل عشان بنتي، لكن أنت افتكرت سكوتي ضعف يا سامح.




