
بدأت تعمل أكل عزومة طابخينها للرجالة؛ حماتي وجوزي وجوزها أخو جوزي. بدأت باللحمة.. جابت حلة المية على النار، وبدل ما تغسل اللحمة أو حتى تشطفها، مسكت اللحمة بإيديها اللي كان فيها أثر شغل، ورمتها زي ما هي في المية المغلية! ولما الريم الأبيض طلع على وش الحلة، بدل ما تشيله بالمغرفة، جابت معلقة وطيرت شوية منه على الأرض، والباقي قلبت بيه الشوربة جوة الحلة وقالتلي بفتخر الشوربة دي هي اللي بتدي الطعم!
العدسة شغالة وتسجل.. دخلت بعدها على الرز، جابت الشكارة، غرفت منها الرز وحطته في الحلة على طول من غير ما تنقيه ولا تغسله! وقفت المية على الرز وهي بتقول الرز البلدي ده لو اتغسل نشاه يروح، والطعم يضيع! وهي بتتكلم، بنتها الصغيرة جرت عليها، مسكت جلابية إيمان، قامت إيمان ماسكة البت ومسحت مناخير البت بجلابيتها، وبعدين بحركة تلقائية، حطت إيدها هي هي جوة طبق السمنة البلدي، وأخدت كبشة سمنة ودعكت بيها وش الرز وهو بيتشرّب!
أنا من ورا الكاميرا كنت كاتمة نفسي ومكمله تصوير بتركيز.
جت عند السلطة، ودي كانت المأساة! جابت خيار وطماطم من القفص بالتراب بتاعهم، ومسكت السكينة وبدأت تقطع على طول فوق طبق السلطة. الطماطماية كان فيها جزء غير جيد، مسكت السكينة وشالت الجزء ده بسطحية، والحيّز اللي جنبه قطعته وحطته في الطبق عادي! ولما جت تقلب السلطة، ما استعملتش معلقة.. حطت إيديها الاثنين جوة طبق السلطة الكبير، وعصرت الليمون، وقلبت السلطة بكفيها وهي بتقول إيد الست في الأكل بركة يا نور.. البركة كلها في اللمسة دي!
أنا طبعاً سجلت كل ثانية.. فيديوهات واضحة وبدقة عالية جداً لا تقبل الشك!
خلصت إيمان العك ده كله، والأكل ريحته طالعة، ونزلت السفرة للرجالة تحت، وحماتي قعدت على رأس الترابيزة، وجوز إيمان قعد، وجوزي أحمد قعد، وإيمان نازلة ترص الصحون بكل فخر وتتباهى قدامهم!
الرجالة سموا الله ومدوا إيديهم، وجوزي مسك معلقة الشوربة ولسه هيحطها في بؤه..
في اللحظة دي بالظبط، كنت أنا مجهزة كل حاجة. شاشة العرض الكبيرة اللي في الصالة بتاعة حماتي، كانت متوصلة بالواي فاي بخاصية عرض الشاشة Screen Mirroring لموبايلي.
من غير ما حد يحس، فتحت الموبايل ودست أمرين.. الشاشة الكبيرة بتاعت التلفزيون اشتغلت فجأة بصوت عالي جداً!
الكل اتخلع وبص على الشاشة.. الصوت كان مالى الصالة، وصورة إيمان مالية الشاشة 55 بوصة بأعلى جودة!
ظهرت إيمان على الشاشة وهي بتتعامل مع بنتها، وبعدين بنفس الإيد بتحط السمنة جوة الرز! والتلفزيون جاب اللقطة مكبرة جداً، وهي بتقلّب طبق السلطة بكفيها، والطماطم اللي مش سليمة وهي بتتقطع، واللحمة وهي بتترمى في المية من غير غسيل!
الصمت ساد القاعة تماماً.. اللقمة وقفت في زور جوزي، والمعلقة اتجمدت في إيد جوز إيمان، وحماتي عينها وسعت لدرجة كانت هتطلع من مكانها من صدمة المنظر على الشاشة الكبيرة!
جوزي أحمد حط المعلقة من إيده بشويش، ووشه بقى أحمر زي الدم، ومعدته بدأت تقلب من القرف، وبص للصحون اللي قدامه بنظرة رعب وكأنه شايف سم!
أما جوز إيمان، لما شاف المنظر زوم إن على الشاشة 55 بوصة، جاله ذهول ورجع كرسه لورا بسرعة، ووشه جاب ألوان الطيف، وقام جارياً على الحمام!
أحمد جوزي بص لإيمان بنظرة قاتلة، وقام زاعق بصوت هز البيت كله إيه القرف ده؟! إيه اللي بنشوفه ده؟! أنتو بتاكلونا أكل مش نظيف؟! أستغفر الله العظيم! نفسي اتسدت والنعمة دي حرمت عليا!
إيمان وقفت مبهوتة، وشها اصفر وبقت تبصلي بغل وتصرخ يا نذلة! يا خاينة! أنتي بتصوريني وبتقفصيني؟!
أنا وقفت بمنتهى الهدوء والبرود، ودمعة محبوسة في عيني بتمثيل إتقان، وقولت لجوزي بصوت مكسور يا أحمد.. أنا بعاني من الموضوع ده من يوم ما دخلت البيت ده.. كل ما أكلمها تقولي غيرة سلايف، ولما نزلت اشتكيت لحماتي وقلتلها أنا بموت من الجوع والأكل مش نظيف، حماتي وقفت ضد وقالتي أنتي عايزة تعزلي وتاكلي لوحدك فوق وشككت في نيتي، وقالتلي الأكل عاجبنا ولو مش عاجبك متاكليش! أنا ملقيتش طريقة أثبتلكوا بيها غير إنكم تشوفوا بعينكوا اللي بيحصل!
أحمد بص لأمه حماتي وهو على آخره وبيزعق أنتي يا أمي كنتي عارفة بالوضع ده وساكتة؟! عشان كده نور كانت بتخس ومبتاكلش معانا؟ أنتي بتقوليليها عزلي؟
حماتي اتلخبطت وحاولت تدافع عن نفسها وتغطي على إيمان يا بني.. ما طول عمرنا بناكل وهي بتخلص وشاطرة..
أحمد قاطعها بعصبية رهيبة وصوت عالي شاطرة في ده؟! أنتو بتموتونا بالبطيء! اسمعي يا أمي.. واسمعي يا إيمان.. كلمة واحدة ملهاش تاني! لو الحال ده فضل كده، والأكل بيتعمل بالشكل ده.. أنا ومراتي هناكل ونشرب في شقتنا فوق، ومحدش ليه دعوة بينا ولا لينا دعوة بحد! أنا صحتي وصحة مراتي مش لعبة في إيد حد!
هنا حماتي أدركت إن البيت بيتهد، وإن ابنها الكبير زعلان وهيخرج من تحت إيدها، والبيت هيتقسم، وقفت مرعوبة وخايفة من الخراب، بصت لإيمان وزعقت فيها بعلو صوتها انغوري من وشي يا غير نظيفة! والله العظيم وحق جلال الله، من النهاردة ما فيه حلة هتتحط على نار ولا لقمة هتدخل البيت ده إلا وأنا واقفة فوق راسك في المطبخ خطوة بخطوة!
واتلفتتلي حماتي ووعدتني قدام جوزي وجوز إيمان اللي خرج من الحمام وشه أصفر أنا بضمنلك يا نور.. من بكرة، أنا هفضل واقفة معاها في المطبخ بنفسي، أضمن إن كل حاجة تتغسل ميت مرة بالصابون والمية، والنضافة تبقى هي الأساس!
وفعلاً.. من اليوم ده، اتغيرت القوانين في البيت 180 درجة!
من تاني يوم الصبح، بقيت انزل ألاقي حماتي قاعدة على كرسي جوة المطبخ، ماسكة الخيزرانة في إيدها، وإيمان واقفة قدام الحوض زي التلميذ الخايب!
حماتي تزعق في إيمان بعلو صوتها اغسلي إيديكي بالصابونة دي كويس يا إيمان قبل ما تمسكي الخيارة! شمرّي دراعاتك! أطلعي استحمي وغيري الهدوم دي الأول متنزليش المطبخ إلا وأنتي مستحمية ونضيفة! الطبق ده يتشطف ميت مرة قبل ما تحطي فيه نقطة رز!
وإيمان بقت واقفة بتتنفض، بتغسل إيدها بالصابون والخل كل دقيقتين، وتغسل الخضار ورقة ورقة وهي حاطة وشها في الأرض ومقورة من كسفتها، ومبقتش تقدر تفتح بؤها ولا تقول غيرة سلايف ولا نص كلمة!
وأنا؟ بقيت أقعد في المطبخ أعمل كوباية الشاي بتاعتي بمنتهى الراحة، وأتفرج عليهم وأبتسم بانتصار.. عرفت أخد حقي، وأحمي صحتي، وأحط حد للموضوع ده وللأبد، بالذكاء وبدليل لا يقبل الشك!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




