
جري ناحيتها
«إنتي كويسة؟»
«أنا كويسة بس خد ليلى»
مد إيده وشال البنت
وبص لنادية
«الملف معاكي؟»
هزت راسها
«أيوه»
«لازم نمشي دلوقتي»
نزلوا من سلم خلفي وخرجوا من باب صغير ورا البيت
كريم حط ليلى في العربية ونادية ركبت جنبه
وقبل ما يتحرك شاف العربية السودا بتبعد من أول الشارع
ضغط على البنزين وراها
نادية صرخت
«كريم بلاش!»
«لازم أعرف هما مين»
فضل ورا العربية لحد ما دخلت طريق جانبي
لكن فجأة العربية اختفت
كأن الأرض بلعتها
كريم وقف ونزل منها
بص حواليه
كان الطريق فاضي تمامًا
رجع للعربية وهو غاضب
«إزاي اختفت؟»
نادية كانت ساكتة
كريم بص لها
«قوليلي كل حاجة من البداية»
«لو قلتلك كل حاجة هتكرهني»
«أنا عشت ستة وعشرين سنة فاكر إنك سيبتيني بإرادتك»
بصت له ودموعها نزلت
«أنا ما سبتكش يا كريم»
«أمال إيه اللي حصل؟»
«أبوك هو اللي طلب مني أبعد عنك»
كريم اتجمد
«أبويا؟»
هزت راسها
«قبل ما يموت بأيام جه لي بنفسه»
«وقالك إيه؟»
«قاللي إن في ناس من عيلة السيوفي بيستخدموا اسمك في شغل مش قانوني وإنهم لو عرفوا إنك هتتدخل عشان تنقذني هيأذوك»
كريم حس إن نفسه اتقطع
«وأبويا كان يعرف؟»
«كان يعرف جزء من الحقيقة»
«طب ليه ما قاليش؟»
نادية بصت قدامها
«لأنه كان خايف عليك»
سكت كريم فترة طويلة
وبعدين قال
«وليلى؟»
نادية ما ردتش
«نادية أنا محتاج أعرف»
بصت له
«ليلى بنتك يا كريم»
غمض عينيه
كأن الجملة دي كانت أكبر من قدرته على الاستيعاب
مد إيده ولمس شعر ليلى وهي نايمة في الكرسي الخلفي
دموعه نزلت لأول مرة
«أنا ضيعت أربع سنين من عمرها»
نادية ردت بهدوء
«وأنا ضيعت ستة وعشرين سنة من عمري وأنا مستنياك ترجع»
بص لها
«هرجعلك»
نادية هزت راسها
«الموضوع مش بالسهولة دي»
«ليه؟»
فتحت الملف الأزرق وحطته قدامه
«لأن ده مش مجرد ملف حسابات»
كريم فتحه
وفي أول صفحة كان فيه كشف بأسماء وتواريخ وتحويلات
قلب الصفحات بسرعة
وفجأة وقف
كان فيه مستند موقع باسم والده
كريم رفع عينه لنادية
«إيه ده؟»
«ده السبب الحقيقي اللي خلى أبوك يطلب مني أبعد عنك»
قلب الورقة
وكان مكتوب إن والد كريم كان شريكًا سريًا في واحدة من الشركات اللي بتحول الفلوس
كريم رجع بظهره للكرسي
«مستحيل»
نادية قالت
«أنا كنت هقولك كل حاجة من أربع سنين»
«إيه اللي منعك؟»
«التهديد»
«مين هددك؟»
قبل ما ترد رن موبايل كريم
بص للشاشة
رقم مجهول
فتح الخط
«ألو»
الصوت اللي سمعه قبل كده قال
«دلوقتي عرفت ليه أبوك كان ساكت؟»
كريم سكت
الصوت كمل
«بس لسه في حاجة واحدة إنت ما عرفتهاش»
«إيه؟»
«الملف اللي مع نادية فيه دليل على إن أبوك »
كريم وشه اتجمد
بص لنادية
هي كانت بالفعل عارفة
قال بصوت مكسور
«نادية… إنتي كنتي عارفة؟»
قبل ما ترد قفل المتصل الخط
وفجأة وصل لكريم إشعار على موبايله
صورة قديمة لوالده وهو خارج من المستشفى في آخر يوم في حياته
وتحت الصورة رسالة واحدة
«لو عايز تعرف مين تعال لوحدك الليلة»
كريم رفع عينه لنادية
ولأول مرة شاف الخوف الحقيقي في عينيها
لأنها كانت عارفة المكان المكتوب في الرسالة
وكان نفس المكان اللي اختفى فيه أبوها قبل وفاته بأيام.
كريم فضل باصص للرسالة ومش قادر يستوعب اللي بيقراه
«المكان ده إنتي عارفاه؟»
نادية هزت راسها والدموع لمعت في عينيها
«أيوه»
«فين؟»
قالت بصوت واطي
«مخزن قديم في شبرا الخيمة كان تابع لشركة السيوفي»
كريم سكت لحظة وبعدين قال
«هنروح»
نادية مسكت إيده
«قالك تروح لوحدك»
«مش هروح لوحدي وأسيبك لوحدك»
«كريم دول ممكن »
بصلها وقال
«بعد ستة وعشرين سنة وأنا فاكر إني خسرتك بإرادتي اكتشفت إنهم هما اللي سرقوا حياتنا مني ومنك ومن بنتي أنا مش هسيبهم يسرقوا الباقي»
بعد أقل من ساعة كان كريم واقف قدام المخزن
كان المكان مهجور ومظلم والباب الحديد مصدي
دخل كريم لوحده
وفي آخر المخزن كان فيه راجل واقف مستنيه
كريم قرب منه
«إنت اللي بعتلي؟»
الراجل رفع وشه
كريم اتصدم
كان مدير الحسابات القديم لشركة السيوفي
الراجل اللي اختفى فجأة من البلد بعد قضية الاختلاس
«إنت عايش؟»
ابتسم بحزن
«كنت لازم أختفي لو عايز أعيش»
كريم قرب منه
«مين أبويا؟»
الراجل بص حواليه وقال
«أبوك ما كانش شريك في السرقة زي ما الورق بيقول»
«أمال؟»
«أبوك اكتشف الحقيقة وحاول يوقفهم»
كريم سكت
«ولما عرف إنهم بيستخدموا اسمك في تحويلات قرر يفضحهم»
«مين هما؟»
الراجل مد له فلاشة صغيرة
«كل الأسماء هنا»
كريم أخدها
لكن فجأة سمع صوت عربية بتقف بره
الراجل قال بسرعة
«امشي»
«مش هسيبك»
«لو فضلت هنا مش هتخرجوا أنتم الاتنين»
كريم خرج من الباب الخلفي
وفي نفس اللحظة سمع صوت ضرب نار من جوه المخزن
وقف مكانه
لكن الراجل صرخ
«اجري يا كريم»
جري بأقصى سرعته ورجع للعربية
نادية كانت مستنياه
أول ما شافته قالت
«حصل إيه؟»
«أبوكِ وأبويا كانوا بيحاولوا يكشفوا شبكة كبيرة»
«والراجل؟»
كريم بص لها
«ضحى بنفسه عشان نخرج»
نادية غطت وشها بإيديها
لكن كريم مسك إيدها
«خلاص يا نادية كفاية خوف»
«لسه ما خلصناش»
«لأ خلصنا»
فتح الفلاشة على اللابتوب
ظهرت ملفات وتحويلات وتسجيلات صوتية
وفي واحد من التسجيلات ظهر صوت عماد السيوفي
كان بيتكلم مع المدير المالي
«لما نادية تكتشف الحسابات لازم التهمة تتلبس لها قبل ما تتكلم»
الصوت التاني رد
«ولو كريم عرف؟»
عماد قال
«أبو كريم هيتصرف معاه»
كريم وقف التسجيل
وكان الغضب ظاهر في عينيه
«عماد»
نادية بصت له
«هو اللي عمل كل ده»
لكن كان فيه ملف أخير باسم والد كريم
فتحه
وكان عبارة عن تسجيل صوتي قديم
صوت والده ظهر لأول مرة بعد أربع سنين
«كريم لو سمعت التسجيل ده يبقى أنا مش موجود»
كريم حس إن نفسه اتقطع
والده كمل
«أنا غلطت لما سكت زمان لكني حاولت أصلح غلطتي ولما عرفت إن نادية حامل وإنهم ناويين يأذوها طلبت منها تختفي من حياتك مؤقتًا»
صوت نادية اتكسر
«مؤقتًا؟»
كريم كمل التسجيل
«كنت فاكر إني هقدر أحل الموضوع وأرجعها لك لكنهم كانوا أسرع مني»
«ولو حصل لي حاجة يا كريم متصدقش أي ورقة مكتوب فيها إن نادية سرقت أو خانتك هي كانت بتحميك طول الوقت»
انتهى التسجيل
كريم فضل ساكت
وبعدين بص لنادية
«أبويا كان عارف إنك حامل»
«أيوه»
«وكان عارف إن ليلى بنتي؟»
نادية هزت راسها
«كان عارف»
كريم ضم عينيه ودموعه نزلت
«يعني كل السنين دي… أنا كنت فاكر إنك سيبتيني»
نادية قربت منه
«وأنا كنت فاكرة إنك عمرك ما هتسامحني»
كريم مسك إيديها
«أنا مش زعلان إنك خبيتي عني بنتي قد ما أنا زعلان إننا ضيعنا ستة وعشرين سنة بسبب ناس ما كانش يهمها غير الفلوس»
بعد أيام قليلة قدم كريم كل الأدلة للنيابة
التحقيقات بدأت
والملفات اتراجعت
والتحويلات ظهرت
والأسماء اتكشفت
واتقبض على عماد السيوفي والمدير المالي ومعاهم أكتر من شخص شاركوا في عملية غسل الأموال والتزوير
أما اسم نادية فاتشال من كل القضايا رسميًا
وبعد ما اترد اعتبارها رجعت تشتغل في مجال الحسابات من جديد
لكن المرة دي كان عندها مكتبها الخاص
كريم وقف قدام باب المكتب أول يوم
ومعه ليلى
البنت كانت ماسكة إيده
وبصت لنادية وقالت
«ماما هو بابا هييجي معانا؟»
نادية ابتسمت والدموع في عينيها
«بابا مش هيمشي تاني يا حبيبتي»
كريم بص لنادية
«المرة دي أنا اللي هفضل»
ليلى جريت عليه وحضنته
وكريم نزل على ركبته وضمها وهو بيعيط
كان أول حضن بينهم
لكن بالنسبة له كان كأنه بيعوض أربع سنين كاملة
وبعد شهور اتجوز كريم ونادية من جديد في حفل بسيط وسط أهلهم وأصحابهم المقربين
وفي آخر الليل خرجوا يقفوا سوا قدام البيت
نادية بصت له وقالت
«فاكر أول مرة وعدتني إنك هترجع؟»
ضحك كريم
«المرة دي رجعت»
«بس اتأخرت»
«عندي ستة وعشرين سنة أحاول أعوضهم»
ضحكت وهي بتبص لليلى اللي كانت بتلعب في الجنينة
وبعدين قالت
«في حاجة واحدة لسه مش فاهمها»
«إيه؟»
«مين اللي بعتلك أول رسالة وخلاك تعرف كل الحقيقة؟»
كريم سكت
طلع الموبايل وفتح رقم قديم
وقال
«الراجل اللي كان في المخزن»
نادية بصت له
«بس إنت قلت إنه »
كريم هز راسه
«أنا قلت إنه اختفى»
«يعني إيه؟»
قبل ما يرد وصلته رسالة من نفس الرقم
فتحها
وكان مكتوب فيها
«دلوقتي بقيتوا بأمان… بس في سر أخير عن الليلة اللي فيها أبوك ما قلتوش لنادية»
كريم بص لنادية
ونادية بصت له
والاتنين سكتوا
لأنهم كانوا فاكرين إن الحكاية خلصت
لكن الرسالة الأخيرة أثبتت إن فيه شخص تالت كان موجود في الليلة دي
شخص ما ظهرش اسمه في أي ملف
ولا في أي تسجيل
ولا حتى في اعترافات عماد
وشخص واحد بس كان يعرف هويته
والد كريم قبل ما يموت
وفي نفس اللحظة وصلتهم صورة قديمة
الصورة كانت لأبو كريم واقف جنب نادية وهي حامل
لكن المفاجأة إن في الخلفية كان واقف شخص تاني
شخص كريم يعرفه كويس جدًا
شخص كان لحد اللحظة دي بيعتبره أقرب الناس ليه
وساعتها كريم قال بصوت
«نادية… إحنا لسه ما عرفناش مين بدأ كل ده»
والحكاية اللي افتكروا إنها انتهت…
كانت لسه بتبدأ.




