منوعات

السكوت غطي القاعه

السكوت غطى القاعة، لدرجة إن صوت نَفَس مراد العالي بقى مسموع لكل الناس. الراجل الغريب اللي وقف قدامه كان المقدم سليم المنشاوي، ضابط في مباحث الأموال العامة، بس الحقيقة إنه مكنش موجود هناك عشان “الأموال العامة” وبس. مراد حاول يزقه وهو بيبرطم بصوت مهزوز: “أنت مجنون؟ أنت عارف أنت بتكلم مين؟ ابعد عني مراتي بتموت!”.

سليم مقلش كلمة، مد إيده ومسك معصم مراد اللي كان ضاغط على كتفي بعنف، ولوى دراعه بكرة وحرفية خلت مراد يشهق من الألم ويضطر ينزلني على الكنبة اللي جنب الباب. سليم بص للمدير بتاع الأوتيل اللي كان واقف مرعوب وقاله: “محدش يخرج من القاعة، والاتصال يتقطع عن المكان ده فوراً.. البلاغ اللي معانا مش بس تسميد عمد، ده فيه بلاوي تانية هتفتح أبواب جهنم”.

في اللحظة دي، بدأت الرؤية توضح عندي شوية، مفعول المادة اللي مراد حطها في العصير بدأ يقل ببطء، أو يمكن الأدرينالين اللي جرى في دمي من الخوف هو اللي فوقني. شفت مراد وهو وشه بيبقى لونه أزرق، عينه بتروح وتيجي في القاعة يدور على مخرج، بس كان متكلبش بنظرات سليم وبمسدسات رجالة المباحث اللي ظهروا فجأة من وسط المعازيم كأنهم كانوا لابسين لبس “جرسونات” و”أمن”.

“مارينا.. أنتِ كويسة؟” سليم سألني وهو بيوطي لمستوايا، عينه كانت فيها حنية غريبة، عكس القوة اللي كان بيكلم بيها مراد. حاولت أنطق، شفايفي كانت تقيلة، بس قدرت أهز راسي بـ “لأ”. سليم بص لواحد من رجالته وقاله: “هات شنطة الإسعافات الأولية، وخلوا الدكتورة اللي كانت معزومة في التربيزة رقم 4 تيجي هنا فوراً”.

مراد بدأ يصرخ بهستيريا: “دي مؤامرة! مارينا دي مريضة نفسية وبتاخد أدوية اكتئاب وحبوب تخسيس بتبوظ الدماغ، هي اللي اتفقت معاكم عشان تدمر سمعتي في يوم زي ده! أنا مراد السيوفي يا شوية جربوعين!”.. في اللحظة دي، ظهرت ست من وسط الزحمة، كانت لابسة شيك جداً، بس علامات التعب باينة على وشها.. كانت “ليلى”، السكرتيرة الخاصة بتاعة مراد اللي اختفت من شهر والكل قال إنها استقالت وسافرت.

ليلى قربت وهي ماسكة في إيدها ملف أسود، ورمته تحت رجل مراد وقالت بصوت مكسور بس قوي: “المرة دي مش هتعرف تخرسني يا مراد بيه.. مش هتعرف تعمل في مارينا اللي عملته فيا وفي غيري.. الملف ده فيه سجلات الصيدلية اللي كنت بتجيب منها المادة المخدرة اللي بتمشيها بيها زي العروسة الحلاوة، وفيه كمان تحويلات الفلوس اللي كنت بتهربها برا البلد تحت اسم شركات وهمية”.

القاعة كلها بدأت تغلي، الناس اللي كانت بتصقف لمراد من نص ساعة بقوا بيبصوا له بقرف وازدراء. مراد حاول يهجم على ليلة، بس سليم كان أسرع، خبطه خبطة واحدة في بطنه وقعته على ركبه، وكلبش إيده ورا ضهره. الصوت المعدني بتاع الكلبشات كان أحلى مزيكا سمعتها في حياتي.. ده كان صوت حريتي.

مراد اتسحب قدام الكل، وهو بيشتم ويهدد، بس مكنش حد سامعه. سليم قرب مني تاني، وساعدني أقوم. سندي بقوة، وحسيت لأول مرة من سنين إن فيه حد مش عايز يكسرني، حد عايز يوقفني على رجلي. قالي بصوت واطي: “مارينا، المشوار لسه طويل، مراد ليه مخالب كتير برا القاعة دي، بس أوعدك إن الليلة دي كانت آخر ليلة ليكي في السجن”.

خرجت من الفندق، والهوا الساقع بتاع النيل خبط في وشي، حسيت إني بتنفس لأول مرة. ركبت عربية الإسعاف، وقبل ما الباب يتقفل، سليم اداني ورقة صغيرة وقالي: “اقرئي دي لما توصلي المستشفى وتطمني على نفسك”.

لما بقيت لوحدي في الأوضة، فتحت الورقة بـإيد بتترعش. كان مكتوب فيها جملة واحدة خلت قلبي يقع في رجلي ويفتح باب لغموض أكبر بكتير من اللي فات: “مراد مش هو اللي كان عايز يخلص منك يا مارينا.. مراد كان مجرد أداة في إيد الشخص اللي باعتني عشان أنقذك.. الشخص اللي مفروض إنه مات من عشر سنين!”.

غمضت عيني والأسئلة بدأت تأكل دماغي.. مين اللي مات؟ ومين اللي باعت سليم؟ وهل أنا فعلاً خرجت من سجن مراد عشان أدخل في سجن أكبر؟ الحكاية مخلصتش بوقوع مراد.. الحكاية لسه بتبدأ من تحت التراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى