منوعات

س فضلت باصه للشاشه

فضلت باصة للشاشة كأني مش فاهمة اللي قدامي.

الكلمة كانت لوحدها كفاية تخلي إيدي تترعش.

نزلت بعيني للسطر اللي بعدها.

«بعد نقل الملكية، لازم نبدأ التعديل فورًا.»

بلعت ريقي.

السطر اللي بعده كان أسوأ:

«ماما سعاد تفضل في الشقة مؤقتًا لحد ما نجهز أوضة صغيرة في البلكونة المقفولة.»

حسيت إن نفسي اتقطع.

أوضة صغيرة في البلكونة؟

أنا؟

في بيتي؟

البيت اللي عشت فيه مع حسن تلاتين سنة؟

البيت اللي ابني نفسه كان بيجري فيه وهو صغير؟

فضلت أكمل قراءة وأنا حاسة إن كل كلمة بتخبط في صدري.

«الأوضة الرئيسية لنا، أوضة الأطفال بعد الحمل، والصالة تتفتح على السفرة. ممنوع وجود عفش كتير لماما عشان المساحة.»

وبعدين سطر تاني:

«مهم جدًا ما تعرفش التفاصيل قبل ما يتم التنازل.»

إيدي اترعشت أكتر.

قفلت الموبايل بسرعة ورجعته مكانه بالظبط.

في اللحظة دي سمعت صوت باب الحمام بيتفتح.

قمت من على الكرسي كأني ما شفتش حاجة، ومشيت ناحية المطبخ.

دخلت منى وقالت:

ـ ماما، هو حضرتك ليه وشك أصفر كده؟

حاولت أبتسم.

ـ يمكن الشاي كان تقيل عليا.

بصتلي ثانيتين زيادة.

وبعدين ابتسمت وقالت:

ـ ارتاحي بس، إحنا عايزين مصلحتك.

الجملة دي بالذات وجعتني.

لأنها لأول مرة ما حسيتهاش جملة حنية.

حسيتها تحذير.

بعد ما مشيوا، فضلت واقفة ورا الباب لحد ما سمعت صوت عربيتهم بيبعد.

رجعت للصالة وبصيت حواليا.

كل حاجة فجأة بقت غريبة.

الكنبة اللي اشتريتها أنا وحسن بعد أول مرتب كبير أخدناه.

النجفة اللي اختارها حسن بنفسه.

صورة كريم وهو طفل، لابس بدلة المدرسة وواقف جنب أبوه.

حتى الترابيزة القديمة اللي كان حسن بيحط عليها جورنال الصبح.

كل ده كان ممكن يختفي في يوم واحد.

مش بس الأثاث.

أنا نفسي.

اتصلت بأختي نجلاء.

ردت من أول رنة تقريبًا.

ـ حصل إيه يا سعاد؟

سكت شوية.

وبعدين قلت:

ـ إنتِ كنتِ عارفة؟

ـ عارفة إيه؟

قلت لها وأنا بحاول ما أعيطش:

ـ إنهم عايزين يكتبوا الشقة باسمهم مش عشان الورق والورث.

سكتت.

ـ شفت موبايل منى بالغلط.

ـ وإيه اللي شفتيه؟

حكيت لها كل حاجة.

لما وصلت لجملة «أوضة صغيرة في البلكونة»، نجلاء انفجرت:

ـ أنا قلتلك ما تمضيش!

ـ بس دي ممكن تكون مجرد خطة في دماغها، يمكن غيروا رأيهم.

ـ سعاد، الناس ما بتكتبش «ممنوع تعرف التفاصيل قبل التنازل» في ورقة عشوائية!

سكت.

قالتلي:

ـ اسمعيني كويس. ما تواجهيهمش دلوقتي.

ـ ليه؟

ـ لأنك لو واجهتيهم، هيمسحوا كل حاجة وهيقولوا إنك فهمتي غلط. وإحنا لسه مش عارفين هم مخططين لإيه بالظبط.

ـ أعمل إيه؟

قالت:

ـ بكرة الصبح روحي لمحامي تثقي فيه. وخدي كل أوراق الشقة معاكي. ومتقوليش لكريم كلمة واحدة.

قفلت معاها وأنا حاسة إني داخلة على حاجة أكبر مني.

تاني يوم الصبح، لبست ونزلت من البيت.

كنت فاكرة إني رايحة أعرف حقي بس.

لكن المحامي قال لي جملة خلتني أحس إن الموضوع أخطر بكتير.

بعد ما قرأ عقد الشقة وبص في أوراق الملكية، رفع عينه وقال:

ـ يا مدام سعاد، قبل ما تمضي أي حاجة، لازم تسأليني سؤال مهم جدًا.

قلت:

ـ إيه هو؟

قرب الورق منه وقال:

ـ مين اللي طلب منك تحديدًا تعملي «هبة» للشقة بدل ما تسيبيها للورث؟

قلت:

ـ ابني ومراته.

سكت لحظة.

وبعدين قال:

ـ طيب… وهل قالوا لك إن في سبب تاني غير توفير مصاريف وإجراءات الورث؟

هزيت راسي بالنفي.

المحامي رجع بص للعقد.

وبعدين قال:

ـ يبقى لازم تعرفي حاجة قبل ما ترجعي بيتك.

رفعت عيني له.

ـ حاجة إيه؟

قال بهدوء:

ـ الشقة دي ممكن يكون فيها حق قانوني يمنعهم من بيعها أو التصرف فيها بسهولة… لكن لو نقلتي الملكية دلوقتي، الوضع هيختلف تمامًا.

حسيت بقلبي بيهبط.

سألته:

ـ يعني لو كتبتها باسم ابني، ممكن يعمل إيه؟

رد من غير تردد:

ـ لو بقى هو المالك، القرار في إيده. وساعتها وعدهم إنك «هتفضلي ساكنة طول عمرك» مش هو نفس الحاجة زي إن حقك في السكن يكون مضمون قانونيًا.

خرجت من عنده وأنا ماسكة الملف في إيدي.

لكن قبل ما أوصل البيت، جالي اتصال من كريم.

قال:

ـ يا أمي، إنتِ فين؟

ـ بره.

ـ عند مين؟

سكت.

قال بصوت مختلف تمامًا عن صوته المعتاد:

ـ ماما… منى عرفت إنك شفتي الموبايل.

وقتها وقفت في نص الشارع.

وسألته:

ـ عرفت إزاي؟

رد بعد ثواني:

ـ لأنها كانت متأكدة إنك هتشوفيه.

سكت.

وبعدين سمعت منه جملة عمري ما توقعت أسمعها من ابني:

ـ ولازم نتكلم قبل ما تروحي البيت… لأن اللي مكتوب في الموبايل مش هو أسوأ حاجة.

فضلت واقفة في نص الشارع، والموبايل لازق في ودني، ومش قادرة أصدق اللي سمعته.

ـ مش أسوأ حاجة؟ يعني إيه يا كريم؟

سمعت تنهيدة طويلة من الناحية التانية.

ـ يا أمي، أنا كنت ناوي أقولك بعد ما تمضي.

ـ تقول لي إيه؟

ـ إن الشقة مش هتبقى ليا أنا بس.

حسيت إن الدنيا لفت بيا.

ـ يعني إيه؟

ـ منى عندها أخ اسمه شريف، وعليه ديون كتير. هي شايفة إن لو الشقة بقت باسمي، نقدر نبيعها ونحل مشاكلنا كلها.

ضحكت غصب عني، بس الضحكة طلعت مكسورة.

ـ تبيعوا شقتي؟

ـ يا أمي، اسمعيني بس…

ـ دي شقتي أنا يا كريم! شقتي اللي أبوك تعب معايا سنين عشان نجيبها!

ـ عارف يا أمي.

ـ وإنت عارف إن أبوك مات وهو بيقول لي: «خلي بالك من نفسك ومن البيت»؟

سكت.

قلت له:

ـ وإنت عايز تاخد البيت مني عشان تسدد ديون أخو مراتك؟

ـ الموضوع مش كده بالضبط.

ـ أمال إيه؟

ـ منى مش عايزة نبيعها كلها. هي عايزة نبيعها ونجيب شقة أصغر ونحط باقي الفلوس في مشروع.

ـ ومين قال إن من حقكم تعملوا ده؟

ما ردش.

أنا اللي قلت:

ـ مفيش حاجة تانية يا كريم؟

سكت فترة أطول.

وبعدين قال:

ـ في حاجة.

ـ قول.

ـ لو إنتِ رفضتي التنازل، منى قالت إنها هتطلب مني أسيب البيت وأروح أعيش معاها عند أهلها.

اتصدمت.

مش عشانه.

عشاني.

لأني لأول مرة فهمت إن ابني كان واقع تحت ضغط حقيقي، وإن مرات ابني ما كانتش بتحاول تاخد الشقة بس.

كانت بتحاول تحط ابنها في اختيار بين أمه وبيته وزوجته.

قلت له بهدوء:

ـ كريم، إنت بتحبني؟

ـ طبعًا يا أمي.

ـ طيب اسمعني كويس. أنا مش هبيعلك حبي ليك، ومش هكتبلك بيتي عشان ترضى مراتك عنك.

سمعت صوت نفسه بيتغير.

ـ يعني هترفضي؟

ـ أيوه.

ـ حتى بعد كل اللي عملتهولك؟

الكلمة نزلت عليا زي القلم.

قلت:

ـ كل اللي عملتهولي عمره ما كان تمن للشقة.

وسكتنا.

بعدها قال:

ـ طيب خلي بالك يا أمي… منى مش هتسكت.

قفلت المكالمة.

رجعت البيت، وأول حاجة عملتها إني دخلت أوضة حسن.

فتحت الدولاب القديم، وطلعت علبة خشب صغيرة كان محتفظ فيها بأوراق مهمة.

قعدت على الأرض وفتحتها.

لقيت صورنا، ورسايل قديمة، وإيصالات، وشهادة ميلاد كريم.

وفي الآخر لقيت ورقة مطوية.

فتحتها.

كانت بخط حسن.

«لو حصل لي حاجة، البيت ده لسعاد. كريم ابني، وأنا واثق إنه عمره ما هيقف ضد أمه.»

فضلت ماسكة الورقة ودموعي بتنزل.

حسن مات من تلات سنين، لكن كلماته في اللحظة دي كانت كأنه قاعد قدامي.

تاني يوم الصبح، رن جرس الباب.

فتحت.

كان كريم ومنى.

منى كانت ماسكة ملف أزرق.

دخلت من غير ما تستنى دعوة، وحطت الملف على الترابيزة.

قالت:

ـ ماما، إحنا مش جايين نتخانق.

قلت:

ـ كويس.

فتحت الملف.

ـ إحنا جايين نحل الموضوع بطريقة محترمة.

بصيت للورق.

ـ ده إيه؟

ـ عقد التنازل.

ضحكت بسخرية.

ـ وأنا قلت إني هوافق؟

منى ابتسمت ابتسامة باردة.

ـ حضرتك لسه ما شوفتيش كل حاجة.

كريم بص للأرض.

قلت له:

ـ ارفع عينك وبصلي يا كريم.

رفع عينه.

سألته:

ـ إنت موافق على اللي هي بتعمله؟

فتح بقه، لكن منى سبقته:

ـ كريم مش محتاج يجاوب دلوقتي.

بصيت لها.

ـ ده ابني.

قالت:

ـ وأنا مراته.

سكتنا لحظة.

وبعدين حطت قدامي ورقة تانية.

ـ دي أهم ورقة.

مسكتها.

وقريت أول سطر.

حسيت الدم تجمد في عروقي.

لأن الورقة كانت عبارة عن اتفاق إنفاق وديون باسم كريم.

وكان فيها مبلغ ضخم.

رفعت عيني لها.

ـ إيه ده؟

قالت بمنتهى الهدوء:

ـ ديون كريم.

بصيت لكريم.

ـ إنت مديون؟

ـ مش أنا اللي عملت كل الديون دي يا أمي.

منى قاطعت:

ـ بس اسمه هو اللي عليها.

سألتها:

ـ وإيه علاقة الشقة؟

ابتسمت.

وقالت:

ـ علاقة كبيرة.

وبعدين قربت مني وقالت بصوت واطي:

ـ لو حضرتك رفضتي التنازل، البنك ممكن يبدأ إجراءات على ممتلكات كريم.

وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد طمع.

كان في حاجة أكبر بكتير.

لكن اللي ما كنتش أعرفه إن الورقة اللي في إيدي كانت فيها معلومة واحدة مزورة…

ومعلومة واحدة بس لو اكتشفتها، كانت هتقلب الخطة كلها عليهم.

بصيت للورقة مرة واتنين، وحاولت أركز في كل كلمة.

كان اسم كريم موجود فعلًا، والمبلغ كان كبير لدرجة إني حسيت إن رجلي مش شايلاني.

لكن المحامي اللي قابلته امبارح كان قايل لي حاجة مهمة جدًا:

«ما تمضيش على أي ورقة تحت ضغط، وما تصدقيش أي حد يقولك إن في إجراء لازم يتم فورًا».

رفعت عيني لمنى وقلت:

ـ وإنتِ عايزاني أصدق إن البنك هييجي ياخد الشقة بتاعتي عشان يسدد ديون كريم؟

قالت بسرعة:

ـ لو كريم مالكها، آه.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

ـ لكن لو إنتِ مالكتها، مفيش مشكلة.

هنا فهمت.

هم مش عايزين الشقة عشان «مصلحتي».

هم عايزينها عشان تبقى أصل يقدروا يستخدموه في حل مشاكلهم.

بصيت لكريم وقلت:

ـ إنت مديون قد إيه؟

قال:

ـ حوالي تمنميت ألف جنيه.

شهقت.

ـ تمنميت ألف؟!

منى قالت:

ـ وعشان كده لازم نتصرف بسرعة.

ـ بسرعة ليه؟

ـ عشان عندنا موعد مع الدائنين الأسبوع الجاي.

بصيت لكريم.

ـ وإنت ساكت من أسبوعين وأنا كل اللي في دماغي إنكم عايزين الشقة عشان الورث؟

قال بصوت واطي:

ـ كنت خايف عليكِ.

ـ خايف عليا؟ ولا خايف على نفسك؟

ما ردش.

منى قامت من مكانها.

ـ ماما، خلينا واقعيين. إحنا عيلة واحدة. لو كريم وقع، كلنا هنقع.

قلت:

ـ لأ يا منى. إنتِ اللي عايزة الشقة.

وشها اتغير.

ـ قصدك إيه؟

ـ قريت الموبايل.

سكتت.

كريم بص لها.

ـ منى…

قالت بعصبية:

ـ ما كانش من حقها تقرأ!

رديت عليها:

ـ وأنا عرفت ليه مكتوب «الأوضة الصغيرة في البلكونة»؟

كريم اتجمد.

بص لمنى.

ـ إنتِ كنتِ مخططة تعملي لماما أوضة في البلكونة؟

قالت:

ـ دي كانت فكرة مبدئية.

ضحكت وأنا مش مصدقة.

ـ فكرة مبدئية؟

وبعدين أشرت للشقة كلها.

ـ هنا أوضتين وصالة. إنتِ أخدتي الأوضة الكبيرة لنفسك، وكريم أوضة الأطفال، وأنا أحشر نفسي في البلكونة؟

منى ردت ببرود:

ـ مش كده بالظبط.

ـ أمال إيه؟

ـ حضرتك ممكن تعيشي معانا فترة.

قلت:

ـ فترة قد إيه؟

سكتت.

قلت:

ـ جاوبي.

ـ لحد ما الأمور تتحل.

ـ يعني لحد ما تموتوا؟

كريم صرخ:

ـ ماما!

بصيت له.

ـ دي مش مبالغة يا كريم. إنت كنت فاكر إنهم هيسيبوا لي البيت بعد ما أكتبه؟ لأ. كانوا بيجهزوا يخرجوني منه واحدة واحدة.

منى قربت مني وقالت:

ـ حضرتك لو مش واثقة فينا، يبقى مفيش فايدة من الكلام.

قلت:

ـ فعلًا.

قفلت الملف ودفعتُه ناحيتها.

ـ مش هكتب الشقة.

وقفت.

ـ خلاص.

كريم بص لي كأنه مستني مني أغيّر رأيي.

ـ ماما، فكري كويس.

ـ فكرت.

ـ بس دي مش مسألة فلوس بس.

ـ وأنا عارفة.

منى أخدت الملف.

وقبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت:

ـ تمام. بس لما المشاكل تبدأ، متقوليش إننا ما حذرناكيش.

بعد ما قفلوا الباب، قعدت على الكنبة.

كنت مرعوبة.

لكن لأول مرة من تلات أسابيع، حسيت إن دماغي هديت.

أنا مش هتنازل عن بيتي.

مش عشان الفلوس.

عشان كرامتي.

تاني يوم، رحت للمحامي تاني.

طلعت له الورقة اللي منى كانت جايباها.

قراها بهدوء.

وفجأة وقف عند بند معين.

ـ مين جاب لك الورقة دي؟

قلت:

ـ مرات ابني.

قال:

ـ هي قالت لك إن الورقة دي أصلية؟

ـ أيوه.

رجع قراها مرة تانية.

وبعدين رفع عينه وقال:

ـ الورقة دي فيها مشكلة.

قلبي دق بسرعة.

ـ إيه المشكلة؟

أشار إلى ختم موجود في آخر الصفحة.

ـ الختم ده مش تابع للجهة اللي مكتوب اسمها هنا.

قلت:

ـ يعني إيه؟

قال:

ـ يعني حد حاول يخلي الورقة شكلها رسمي.

اتجمدت.

ـ حضرتك متأكد؟

ـ جدًا.

رجعت البيت وأنا مش عارفة أعمل إيه.

لو منى كانت مستعدة تعمل ورقة شكلها رسمي عشان تقنعني، يبقى الموضوع أكبر من مجرد ديون.

وقبل ما أفتح باب شقتي، لقيت ظرف أبيض محطوط تحت الباب.

ما كانش عليه اسم.

فتحته بإيدي المرتعشة.

جواه صورة.

صورة كريم واقف قدام مكتب، ومنى جنبه، ورجل غريب واقف معاهم.

قلبت الصورة.

كان مكتوب على ضهرها:

«لو عايزة تعرفي مين عليه الديون فعلًا، اسألي عن الراجل اللي واقف جنبهم.»

فضلت باصة للصورة.

الراجل كان مألوف.

لكن مش قادره أفتكر شوفته فين.

لحد ما قلبت الصورة مرة تانية، وبصيت لملامحه كويس.

وفجأة افتكرت.

أنا شفته قبل كده.

وكان واقف في نفس العمارة.

قدام شقتي.

مع حسن…

قبل ما حسن يموت بشهر واحد.

فضلت ماسكة الصورة وإيدي بتترعش.

الراجل اللي واقف جنب كريم ومنى ما كانش غريب عليا.

ده كان الأستاذ سامح، المحاسب اللي كان بيتعامل مع حسن في آخر شهور مرضه.

بس ليه سامح موجود مع كريم ومنى؟

وليه الصورة متصورة قدام مكتب؟

وليه حد حطها تحت باب شقتي؟

دخلت وقفلت الباب ورايا، واتصلت بأختي نجلاء.

أول ما سمعت اسم سامح قالت:

ـ سعاد، افتكري كويس… حسن كان بيقولك حاجة عنه قبل ما يموت؟

حاولت أفتكر.

وفجأة افتكرت ليلة من تلات سنين.

حسن كان تعبان جدًا، وكان ماسك إيدي وقال لي:

ـ لو حصل لي حاجة، ما تثقيش في أي حد يقولك إن في ديون عليا.

وقتها أنا افتكرت إنه بيتكلم من تأثير المرض.

لكن دلوقتي الكلام رجع في دماغي واضح.

اتصلت بالمحامي وطلبت منه يدور في أوراق حسن القديمة.

بعد ساعات اتصل بي وقال:

ـ يا مدام سعاد، لازم تيجي المكتب.

روحت له.

طلع لي ملف قديم، وحط قدامي مستندات كتير.

وقال:

ـ جوز حضرتك قبل وفاته بشهرين عمل توكيل محدود للأستاذ سامح عشان يتابع حسابات معينة تخص مشروع قديم.

ـ مشروع إيه؟

ـ مشروع كان داخل فيه شريك اسمه شريف.

اتجمدت.

ـ شريف؟ أخو منى؟

هز راسه.

ـ أيوه.

وقتها فهمت.

الديون اللي كانوا بيتكلموا عنها ما كانتش ديون كريم أصلًا.

كانت التزامات قديمة تخص شريف، وكان فيه محاولة لتحميل جزء منها على كريم.

لكن لسه في مفاجأة أكبر.

المحامي طلع ورقة تانية.

ـ دي إمضتك؟

بصيت عليها.

ـ أيوه… دي إمضتي.

ـ الورقة دي اتقدمت قبل كده ضمن مستندات لإثبات موافقتك على نقل ملكية الشقة.

قلبي وقع.

ـ بس أنا ما مضيتش عليها!

قال:

ـ عارف.

قرب الورقة مني.

ـ دي إمضتك من ورقة قديمة، واتنقلت بطريقة إلكترونية.

سكت.

أنا في اللحظة دي ما كنتش خايفة على الشقة بس.

كنت خايفة من الناس اللي كنت بدخلهم بيتي وبقعد معاهم على سفرتي.

المحامي قال:

ـ ما تقلقيش. هنبلغ الجهات المختصة، ونثبت إنك ما وقعتيش على الورقة دي بإرادتك.

رجعت البيت.

وبعدها بساعتين خبط كريم على الباب.

فتحت له.

كان لوحده.

وشه كان متغير.

قال:

ـ ماما، أنا عايز أقولك الحقيقة.

ما رديتش.

ـ منى كانت بتضغط عليا من شهور. قالتلي إن لو الشقة بقت باسمي، هنحل كل حاجة.

ـ وإنت صدقتها؟

ـ في الأول آه.

ـ وبعدين؟

نزل عينه.

ـ بعدين اكتشفت إن الديون مش ديوني كلها.

قلت:

ـ وعرفت إنهم عايزين ياخدوا الشقة؟

هز راسه.

ـ أيوه.

سألته:

ـ وليه ما قلتليش؟

دموعه نزلت.

ـ خفت أخسرك.

بصيت له طويلًا.

وقلت:

ـ إنت كنت هتخسرني لو أخدت بيتي، مش لو قلتلي الحقيقة.

سكت.

وبعدين قال:

ـ أنا آسف يا أمي.

دخلته.

مش عشان أنسى.

ولا عشان أعمل نفسي ما شفتش حاجة.

دخلته عشان ده ابني، ولأن الغلط لما نعترف بيه ممكن نبدأ نصلحه.

بعد يومين، منى حاولت تتصل بيا أكتر من مرة.

ما رديتش.

وبعدها وصلني استدعاء رسمي، واتفتح تحقيق في الأوراق اللي اتقدمت باسمي.

سامح اختفى يومين.

وبعدين ظهر مع محاميه.

واتضح إن الموضوع كله كان محاولة لإجبار كريم على نقل ملكية الشقة، وبعدها بيعها واستخدام ثمنها لتسوية ديون تخص شريف.

أما الورقة اللي عليها إمضتي، فكانت محاولة لتجهيز ملف كامل قبل ما أوافق أصلًا.

لكنهم ما توقعوش إن الورقة هتتقارن بمستنداتي القديمة.

وفي النهاية، ثبت إن الإمضاء مزور، واتوقفت كل إجراءات نقل الملكية.

أما منى، فبعد ما الموضوع اتكشف، طلبت الانفصال عن كريم.

كريم ما حاولش يمنعها.

قال لها:

ـ أنا خسرت حاجات كتير بسبب خوفي منك… بس مش هخسر أمي.

بعد شهور، كريم بدأ يسدد الديون اللي تخصه فعلًا، وقطع علاقته بكل الأشخاص اللي دخلوا في الموضوع.

أما أنا، ففضلت في شقتي.

نفس الكنبة.

نفس النجفة.

نفس صورة حسن.

لكن كان في حاجة اتغيرت.

أنا نفسي.

ما بقيتش أخاف أقول «لأ».

وما بقيتش أفتكر إن حماية ابني معناها إني أضحي بحقي.

وفي يوم جمعة، كريم جه عندي ومعاه مفتاح صغير.

حطه قدامي وقال:

ـ ده مفتاح الشقة اللي استأجرتها أنا… عشان ما أطلبش منك حاجة تاني.

ابتسمت وقلت:

ـ يا ابني، أنا مش زعلانة إنك طلبت. أنا زعلانة إنك خفت تقول الحقيقة.

حضنني.

ولأول مرة من شهور، حسيت إن الحجر اللي كان تحت ضلوعي اختفى.

وبالليل، الساعة كانت تلاتة واثناشر دقيقة.

صحيت من النوم، مش عشان الخوف.

لكن عشان أجيب مية.

دخلت المطبخ، وبصيت للموبايل.

ما كانش عليه عشرات الرسايل.

ولا .

ولا أوراق.

بس رسالة واحدة من كريم:

«تصبحي على خير يا أمي… وحشتيني.»

ابتسمت.

وبصيت ناحية الصالة.

وقلت لنفسي:

«البيت مش مجرد أربع حيطان… البيت هو المكان اللي تفضلي فيه صاحبة قرارك وكرامتك.»

ومن يومها، كل ما حد يقولي إن الحب معناه إنك تدي كل اللي عندك لولادك، بابتسم وأقول:

«أديهم قلبي… لكن مفتاح بيتي يفضل في إيدي.»

لأن اللي بيحبك بجد، عمره ما هيطلب منك تتنازلي عن أمانك عشان يثبت إنك بتحبيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى