منوعات

د خلفه صبيان

عشان تعرفي مقامك يا نورة.. وتعرفي إن مفيش حد يقدر يكسرلي كلمة في البيت ده، وخصوصاً إنتي!

رفعت إيدها ونزلت بالقلم على وشي بكل قوتها، القلم رن في الأوضة ولسع روحي قبل ما يلسع خدي، وفضلت تضرب فيا قلم ورا التاني وهي بتنهج من كتر الغل، وأنا ببص لحامد وهو شادد عليا ومانعني حتى أرفع إيدي أداري وشي، حاسة بوجع في قلبي ميتوصفش، إهانة دمرت كل ذرة حب أو عشرة كانت باقية له جوايا.

لما شبعت ضرب، نفضت إيديها وكأنها وسختهم، وقالتله بتكبر:

— خلاص يا حامد، سيبها.. بس مش هسامحها ولا هرتاح غير لما تنزل تحت رجلي حالا وتعمل اللي قولت عليه، عشان ده المكان الوحيد اللي يناسبها.

حامد زقني على الأرض بكل قسوة وقال بنبرة جافة:

— سامعة؟ قومي انزلي وراها هاتي الطشت واعملي اللي قالته، وبلاش دلع وندب حريم، لو مخلصتيش قبل ما أرجع هرمي عليكي يمين الطلاق ومش هتشوفي عتبة البيت ده تاني!

خرجوا وسابوني مرمية على الأرض، وشي وارم ومحروق بالدموع، وجسمي كله بيترعش من الصدمة والقهر.. قعدت ثواني أستوعب اللي وصلناله، وبدل ما أنكسر، حسيت بنار باردة بتسري في عروقي، وعرفت إن نورة الغلبانة اللي بتوطي راسها وتعدي ماتت في اللحظة دي. قمت وقفت، مسحت دموعي بإيدي، وبصيت في المراية.. عيني كانت بتلمع بقوة عمري ما حسيتها قبل كده، وقررت إن خلاص، حبل الصبر اتقطع، والبيت ده مش هيكمل بالطريقة دي أبداً.

غسلت وشي بماية ساقعة عشان أطفي النار اللي في خدي، ونزلت على السلم بخطوات هادية وثابتة، عكس البركان اللي كان بيغلي جوايا. نزلت لقيت حماتي وسلايفي قاعدين في الصالة الكبيرة، وتوحيدة متصدرة الكنبة زي الملكة المتوجة، فاردة رجليها وحاطة رجل على رجل، وأول ما شافتني نازلة ضحكت باستهزاء وعينها بتلمع بشماتة، وقالت بصوت عالي سمّع الكل:

— أهو، شوفتوا؟ ما يجيش إلا بالعين الحمرا.. يلا يا نورة، الطشت هناك أهو، امليه ماية سخنة وحطي فيه الملح، وركزي في ضوافري عشان عايزة أخرج على سنجة عشرة.

حماتي بصتلي وسكتت ولفت وشها الناحية التانية كالعادة، وسلايفي عيونهم كانت مليانة شفقة وقهر عليا، بس مفيش واحدة فيهم قادرة تنطق عشان خايفين من بطش توحيدة وزعيق حامد.

أنا ماردتش ولا بكلمة، مشيت بهدوء ناحية المطبخ، جبت الطشت ومليته ماية مغلية من السخان.. ماية بتفور، حطيت فيه الملح والخل، وشيلته وخرجت بيه للصالة، كل خطوة كنت بخطيها كنت بدوس فيها على أي ضعف كان جوايا. حطيت الطشت قدام رجليها على الأرض، ونزلت على ركبي قدامها.

توحيدة ابتسمت بغرور ومطت شفايفها، ونزلت رجلها بتكبر عشان تحطها في الطشت، وفي اللحظة دي.. قبل ما تلمس الماية، مسكت رجلها بكل عزمي، وقومت واقفة فجأة وأنا شاداها، ورفعت الطشت بإيدي التانية ودلقته كله بالماية المغلية على رجليها وفستانها اللي كانت مجهزاه للمشوار!

الصوت اللي طلع منها هز أركان البيت، صرخة شقت السقف من الوجع والرعب، وقامت تتنطط وتصرخ وهي ماسكة رجليها المحروقة:

— يا مريييي! حرقيتنيييي المجنونة! إلحقوووني يا نااااس!

البيت كله اتقلب في ثانية، حماتي صرخت ولطمت على خدودها، وسلايفي وقفوا مبرقين ومش مصدقين إن نورة الغلبانة الهادية تعمل كده! حماتي جريت عليها وهي بتصرخ:

— يا مصيبتي السودة! البت انحرقت يا نورة، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، والله حامد ليدبحك لما يرجع!

في اللحظة دي، الباب الخارجي اترزع ودخل حامد وإخواته الاتنين، شافوا المنظر: الصالة غرقانة ماية بتدخن، وتوحيدة بتولول في الأرض ورجليها محمرة، وأنا واقفة في النص زي الجبل.

حامد جرى عليا وعينه بتطق شرار، ورفع إيده عشان يضربني وهو بيزعق:

— إنتي عملتي إيه يا فاجرة؟! ده أنا هقتـ..ـلك هنا الليلة!

وقفت قدامه وما رمشتش، مسكت إيده في الهوا بكل عزمي ونترتها بعيد عني، وصرخت في وشه قدام إخواته:

— إيدك متترفعش عليا تاني يا حامد!

واحد من إخواته قرب مذهول وقال:

— في إيه يا نورة؟! وإيه اللي بيحصل في البيت ده؟! ما إحنا عارفين إن توحيدة بنت عمنا وأبوها متوفي وهي صغيرة وأمي اللي ربتها، وأكيد مالهاش في ورث أبونا غير اللي عمنا سايبهولها.. في إيه بقى قالبلكم حالكم كده؟!

ضحكت بمرارة وصوتي رن في البيت كله وأنا بشاور على حماتي المنهارة:

— لا يا سيدي، ما هي دي المصيبة! توحيدة أصلاً ملهاش أي صلة دم بيكم، ولا هي بنت عمكم ولا من عيلتكم أصلاً! حماتكوا زمان بعد ما سلفتها ماتت وهي بتولد وما كانش ليها حد، خدت البت ربتها وعشان تداري الحكاية وتعمل فيها ست أصيلة نسبت البت لعمكم غصب عن الأصول والشرع.. وتوحيدة لما كبرت وعرفت الحقيقة، مسكت أمكم وحامد من إيدهم اللي بتوجعهم!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى