روايات وقص

م تمشي

​صوت كعب حذاء “شاهيناز” كان بيقرب بسرعة على السلم الخرساني، كل خبطة كانت بتنزل على قلب “طارق” زي المطرقة. وفي أجزاء من الثانية، طارق طبق الورقة بقوة في كف إيده وحطها في جيب بنطلونه، وعينيه لسه مثبتة على “ليلى” اللي كانت بتتمنى الأرض تنشق وتبلعها.
​دخلت شاهيناز الصالة وهي بتعدل شعرها، وبصت لهم بشك: “في إيه يا طارق؟ مالكم واقفين كده ليه؟ ومين اللي كان بيعيط؟”
​طارق ليرجع لقناعه البارد في ثوانٍ، رغم إن جواه بركان قايد. اتنحنح وقال بصوت حاول يخليه طبيعي:
“مفيش يا حبيبتي.. البشمهندسة ليلى ضغطها واطي شوية وتعبت من المشوار، والشنطة وقعت من إيدها وحاجتها اتبعثرت.”
​شاهيناز بصلتها بقرف خفيف: “تعبت من أولها؟ عموماً يا طارق أنا مش عاجبني التقسيم هنا خالص، وعاوزة أغير مكان الحمام الرئيسي.. ليلى، إنتي سامعاني؟”
​ليلى وقفت بالعافية، لمت باقي حاجتها من الأرض وهي مابتجاريش عيون طارق اللي كانت بتطالبها بتفسير فوراً. مسحت دموعها بسرعة وقالت بصوت مبحوح: “أيوة.. سامعاكي يا فندم، هعدل ده في الرسومات.”
​طارق مكنش قادر يستحمل وجود شاهيناز ثانية واحدة زيادة، الحقيقة اللي قراها في الورقة كانت بتنهش في عقله. لف لشاهيناز وقال بنبرة آمرة:
“شاهيناز.. السواق تحت، اركبي معاه وروحي اختاري قماش الصالون اللي قولتلي عليه من المعرض، وأنا هحصلك.. عندي كلمتين شغل مع البشمهندسة هنا ولازم أخلصهم.”
​شاهيناز لوّت بوزها بدلع: “بس أنا عاوزاك تيجي معايا يا طارق!”
طارق بص لها نظرة حاسمة خلتها تراجع كلامها: “قلت هحصلك يا شاهيناز.. اتفضلي.”
​المواجهة العاصفة
​بمجرد ما باب الفيلا الخارجي اتقفل وصوت عربية شاهيناز بعد، المكان اتحول لـ هدوء قاتل.
طارق مشي خطوات بطيئة ناحية ليلى، طلع الورقة المكمشة من جيبه وفردها قدام وشها، إيده كانت بترتعش وعروق جبهته بارزة بشكل يخوف.
​”انطقي…” صوته طلع مخنوق، مليان وجع وصدمة. “الورقة دي كدب صح؟ إنتي عاملة تزوير عشان تكسري قلبي وتخليني أحس بالذنب؟ انطقييييي!”
​صرخته هزت جدران الفيلا الفاضية. ليلى غطت وشها بإيدها وفضلت تبكي بنشيج يقطع القلب.
​طارق مسكها من كتافها وهزها بعنف: “ردي علياااا! تلات سنين سجن ليه؟! قض..ية إيه دي اللي تشيليها تلات سنين؟ وليه اسمع عنك إنك هربتي بالفلوس وإنتي كنتي ورا القضبان؟!”
​ليلى رفعت وشها اللي بقى باهت زي الأموات، وبصت في عينيه بكسرة وقالت:
“عشانك! شلتها عشانك يا طارق! الشيكات المضروبة اللي عمك “سعيد” لبسهالك زمان عشان يدمرك وياخد مكانك في السوق.. كانت باسم شركتك، وكان المفروض إنت اللي تدخل السجن.. عمك جالي وقالي لو مجمعتيش توقيعات الخزنة وشيلتي الليلة، هيدفنك وإنت حي وهيخلي مستقبلك ينتهي ويسجنك.. أنا مضيت، وقولت المحامي بتاعه يقدم الورق باسمي.. دخلت السجن عشان إنت تفضل برة وتعمل الاسم اللي إنت واقف بيه النهاردة!”
​طارق رجع لورا خطوتين، كأنه اتضرب برصاصة في صدره. الملياردير الفهد، الراجل اللي مبيخافش من حد، انهار كبريائه كله في لحظة.
​”عمي سعيد؟” تمتم طارق بنبرة ضياع. “عمي اللي قالي إنك خاينة؟ عمي اللي وراني وصلات الأمانة وقال إنك هربتي مع عشيقك بالفلوس؟”
​ليلى ضحكت بوجع وسط دموعها: “عشيقي؟ هه.. أنا كنت باكل عيش ناشف ومية في سجن القناطر يا طارق، كنت بسمع اسمك في الراديو وأنا في العنبر وبقول الحمد لله إنه نجح.. كنت بدعي ربنا تنجح وتكبر عشان تمن تضحيتي ميروحش على الأرض.. وفي الآخر.. رجعت تذلني وتجرحني بفلوسك اللي أنا السبب فيها!”
​نقطة التحول
​طارق حس إن الدنيا بتسود في عينيه، الغضب اتحول من ليلى لـ وحش كاسر جواه ناحية عمه سعيد الراوي. افتكر كل لحظة ذل فيها ليلى من ساعة ما رجعت، افتكر نظرته ليها في المكتب، وافتكر إنه داس على رسوماتها بجزمته.
​قرب منها وعينيه اتملت دموع، مد إيده يلمس وشها بقلة حيلة: “ليلى.. أنا.. أنا مكنتش أعرف.. أنا أسف..”
​ليلى زقت إيده بقوة وعزة نفس مكسورة: “ميفيدش بإيه الأسف يا طارق بيه؟ تلات سنين من عمري ضاعوا، وصمت عار هيفضل ملاحقني.. إنت خلاص خطبت وبقيت فوق، وأنا بقيت خريجة سجون.. سيبني في حالي، والـ 2 مليون جنيه بتوع الشرط الجزائي.. هبيع كليتي وأسددهم لك، بس مش هشوف وشك تاني.”
​لفت ليلى وجريت ناحية الباب وهي بتبكي، طارق حاول يحصلها ويصرخ باسمها: “ليلى استني! ليلى متسيبينيش تاني!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى