
دي مين
دي النقيبة سارة من أكفأ ضباط المديرية!
إنت حبستها في الحجز!
الأرض لفت بسالم ركبه خبطت في بعض وصوته طلع مبحوح
دي دي سيادة النقيبة
والله ما كنت أعرف يا فندم ما كنتش أعرف!
اللواء أمر بفتح الحجز فورا.
خرجت سارة بكل هيبة وحكت كل اللي حصل بالتفصيل من غير زيادة ولا نقصان
من أول وقفة التاكسي
للإتاوة
للتهديد
للرشوة اللي اتسمعت في التليفون.
كانت مجهزة كل حاجة تسجيلات ملاحظات وبعتت تقرير رسمي لقطاع التفتيش والرقابة.
الموضوع كبر ووصل لمدير الأمن اللي جه بنفسه القسم.
وقف قدام سالم وبص له نظرة طويلة تقيلة نظرة واحد شايف قدامه مش بس موظف غلطان لكن نموذج لانكسار معنى السلطة. صوته طلع ثابت وحاسم مفيهوش انفعال ولا عصبية وده كان أخوف من أي زعيق
بأي سلطة تحبس مواطنة
وبأي حق تطلب رشوة
البدلة دي شرف
وإنت خنت الشرف ده بإيدك.
الكلمات وقعت على سالم زي الطوب. كل حرف كان بيدق في دماغه يفكره بكل مرة افتكر نفسه فوق الناس فوق القانون فوق الحساب. مدير الأمن ما استناش رد ولا كان محتاج يسمع تبرير محفوظ.
لف وشه وقال بلهجة رسمية
افتحوا تحقيق فوري.
في ساعات قليلة رجالة التفتيش كانوا ماليين القسم. مراجعة كاميرات دفاتر محاضر قديمة بلاغات متخزنة من غير
حركة. وكل ما ملف يتفتح بلاوي تطلع. سواقين تانين اتسحب منهم فلوس ناس اتخوفت محاضر اتلفقت
شكاوى اتركنت. الصورة بقت أوضح من أي وقت فات ده مش غلطة ده أسلوب.
تاني يوم الصبح القسم كان عامل زي خلية نحل بس خلية من غير صوت.
مفيش دوشة مفيش ضحك مفيش هزار زي الأيام العادية.
عربيات القيادات كانت واقفة صفوف قدام الباب ألوانها سودا وغامقة كأنها جاية تشهد على جنازة مش تفتيش.
الضباط والعساكر جوه القسم وشوشهم مشدودة كل واحد ماشي على أطراف صوابعه محدش بيتكلم غير للضرورة القصوى.
الجو كله كان تقيل تقيل لدرجة إنك تحس إن الحيطان نفسها حاسة إن فيه حساب جاي حساب مفيهوش فصال ولا وساطة ولا ما كنتش أقصد.
سالم كان واقف في نص القسم.
واقف بس مكسور.
مش نفس الشخص اللي كان امبارح قاعد ورا المكتب صوته عالي وضهره مفروض وعيونه مليانة تعالي.
دلوقتي
ضهره محني كتافه واقعين إيده بتترعش من غير ما يحس وعينه في الأرض كأنها مش قادرة تواجه حد.
لا قادر يتكلم ولا حتى يرفع راسه.
البدلة اللي كان فاكرها درع وحماية بقت تقيلة عليه كأنها بتضغط على صدره بقت شاهد عليه بقت دليل إدانة قدام الكل.
مدير الأمن دخل.
هيبته مالية المكان وجوده لوحده خلى القسم كله يسكت أكتر.
ولا واحد اتحرك ولا نفس اتسمع.
وقف قدام سالم وبص له نظرة طويلة نظرة واحد شايف الحكاية كلها من غير ما يسمع كلمة.
وقال بهدوء مخيف هدوء بيقطع أكتر من أي صوت عالي
فاكر نفسك فوق القانون
سكت لحظة.
لحظة كانت أطول من سنين سالم كلها.
اللحظة دي عدى فيها شريط عمره كل مرة استقوى كل مرة خد فلوس مش من حقه كل مرة افتكر إن محدش هيحاسبه.
وبعدهامدير الأمن لف وشه للعسكري وقال من غير ما يزود ولا حرف
كلبش سالم.
العسكري قرب بخطوات ثابتة.
وصوت الكلبشات وهو بيتقفل كان صريح واضح مفيهوش لبس.
الصوت ده كان أعلى من أي حكم وأقسى من أي كلام.
كان إعلان رسمي إن اللعبة خلصت
وإن اللي كان بيستقوى بالسلطة بقى واقف أعزل قدامها.
سالم حاول يتكلم.
فتح بقه قفله.
بلع ريقه ومفيش صوت.
الكلام كله اتحبس جوه.
الندم جه بس جه متأخر
والعدالة عمرها ما بتستنى اللي يندم بعد ما يتفضح.
في الركن سارة كانت واقفة بتتابع المشهد في هدوء.
لا شماتة.
لا فرحة زيادة.
ولا حتى ابتسامة انتصار.
بس راحة راحة حقيقية.
راحة واحدة شافت الظلم بعينيها
وشافت نهايته بعينيها برضه.
راحة إن اللي حصل ما اتدفنش
وإن الحق ما ضاعشحتى لو اتأخر.
خرجت سارة من القسم والشمس كانت طالعة.
نورها دافي مش حارق كأنه بيقول إن بعد الليلة الطويلة دي فيه صباح جديد.
ركبت التاكسي جنب صبري.
صبري بص لها بنظرة مليانة امتنان نظرة واحد رجعت له كرامته قبل فلوسه.
صوته كان مبحوح وهو بيقول
ربنا يجازيك خير يا بنتي
حقنا رجع وربنا ما خذلناش.
سارة ابتسمت ابتسامة بسيطة ابتسامة هادية وقالت بصدق
الحق دايما بيرجع
بس محتاج اللي يتمسك بيه وما يخافش وما يسيبوش.
التاكسي اتحرك بهدوء
والقسم بقى وراهم بيصغر واحدة واحدة لحد ما بقى مجرد مبنى بعيد.
صفحة اتقفلت
صفحة مليانة ظلم وطمع واستغلال للغلابة.
وفتحت صفحة جديدة عنوانها إن القانون لسه عايش
وإن لسه فيه ناس بتلبس البدلة عشان تحمي مش عشان تسرق.
الحق رجع
والظلم وقع
والقانون انتصر.
النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




