أخبار العالم

مشيت بخطوات مهزوزه

مشيت بخطوات مهزوزة لحد العربية، ركبت جنبه وأنا حاسة إن الكرسي بيتحول لجمر نار، بس وشي كان بارد زي التلج. ياسر بص لي بحنية مزيفة وهو بيدور العربية وقال: “تأخرتي ليه يا ليلى؟ كنت لسه هنزل أشوفك”. مديت إيدي بالشنطة وقلت له بصوت فيه رعشة مصطنعة: “المدير كان بيدور عليها في المكتب، معلش يا حبيبي تعبتك معايا”. بص في مراية العربية ولمحت مريم والحجة تهاني بيتبادلوا نظرات نصر مكتومة في الكنبة اللي ورا. الحجة تهاني طبطبت على كتفي وقالت: “سلامتك من التعب يا قلب مريم، بس يا حبيبتي لازم تهتمي بعلاجك، إحنا مش حمل إنك تقعي مننا تاني”.

وصلنا البيت، القصر اللي كان في نظري أمان، بقيت شيفاه سجن وقبر بيتحفر لي بالبطيء. دخلت أوضتي، وياسر كالعادة جه ورايا بكوباية المية وعلبة الدوا “المغشوشة”. “يلا يا ليلى، خدي الفيتامين عشان ترتاحي وتنامي كويس”. قلبي كان بيدق لدرجة إني خفت يسمع دقاته، أخدت الكبسولة منه، ومثلت إني بشرب المية وبلعتها، لكن في الحقيقة خبيتها تحت لساني وبمجرد ما دخلت الحمام رمتها. طول الليل كنت صاحية، سامعة وشوشاتهم في الصالة بره. مريم كانت بتقول بضحكة واطية: “خلاص يا خالتي، كلها أسبوع والتقرير الطبي يطلع إنها غير متزنة عقلياً، والشركة هتبقى تحت وصاية ياسر قانوناً”. رد ياسر بصوت واثق: “والبنوك كمان، أنا مجهز الأوراق اللي تثبت إنها كانت بتمضي وهي مش في وعيها”.

تاني يوم الصبح، بدأت الخطة “ب”. كلمت “محسن”، المحامي القديم بتاع بابا، الشخص الوحيد اللي واثقة فيه. طلبت منه يقابلني في مكان بعيد تماماً عن دايرة معارفنا. قلت له كل حاجة، ووريته الفيديو اللي قدرت آخده من مدير المطعم على فلاشة، واديتله الكبسولات الأصلية والمغشوشة عشان يحللها في معمل جنائي خاص. محسن بص لي بذهول وقال: “يا بنتي دول مش بس عايزين يسرقوا، دول بيموتوكي بالبطيء، المادة دي بتعمل ضمور في مراكز التركيز مع الوقت”. قلت له: “أنا مش عايزة أسجنهم بس يا متر، أنا عايزة أحرق قلبهم على كل حاجة خططوا ليها”.

رجعت البيت وبدأت أمثل دور “المهلوسة” ببراعة. بقيت أقف قدام المراية وأكلم نفسي بصوت عالي عشان يسمعوني، أكسر كوباية وأقول “مين اللي زقني؟”، ياسر كان بيراقبني بابتسامة انتصار وهو بيكلم الدكتور اللي “مشتريه” عشان يجي يكتب التقرير النهائي. في يوم “العزومة الكبيرة”، اللي ياسر عزم فيها كبار المساهمين في الشركة عشان يمهد ليهم إن مراته “تعبانة” ومش هتقدر تدير الشغل، قررت إن دي تكون ليلة السقوط.

البيت كان مليان ناس، ورجال أعمال، وصحفيين مهتمين بأخبار “آل علام”. دخلت الصالة بقميص نوم وفوقه روب وشعري منكوش، وعيني فيها نظرة تاييهه مرعبة. مريم جريت عليا بتمثيل: “ليلى حبيبتي، إيه اللي منزلك كده؟ اطلعي ارتاحي”. صرخت فيها: “ابعدي عني يا مريم، أنتي والخرزة الزرقا بتاعتك! أنتي فاكرة إني مش عارفة إنك عايزة تاخدي مكاني؟”. ياسر اتدخل بسرعة وهو بيعتذر للضيوف: “أنا آسف جداً يا جماعة، زي ما انتوا شايفين، ليلى حالتها بتسوء، الهلاوس زادت جداً”.

في اللحظة دي، الحجة تهاني بدأت تعيط بتمثيل: “يا ضنايا يا بنتي، لازم نوديها المصحة حالا، مش هينفع نسيبها كدة تأذي نفسها”. ياسر طلع ورقة وقلم وقال للمساهمين: “عشان كدة أنا مضطر أعلن وصايتي على أسهمها حماية لمصالح الشركة”. وقبل ما حد يفتح بقه، النور قطع في القصر كله. وفجأة، اشتغلت شاشات العرض الكبيرة اللي في الصالة، الشاشات اللي كانت المفروض تعرض إنجازات الشركة، عرضت فيديو المطعم بصوت وصورة واضحين جداً.

صوت ياسر وهو بيبدل الكبسولات ملى المكان، وصوت مريم وهي بتقول “خلاص يا خالتي أسبوع والشركة تبقى بتاعتنا”. الصمت ساد المكان، والأنوار رجعت فجأة، بس المرة دي كنت واقفة في نص الصالة، مصلوبة الطول، شعري متسرح، ولابسة أفخم طقم عندي، وبصيت لياسر اللي وشه بقى لونه أزرق ودمه هرب منه. قلت له بصوت زلزل القاعة: “الفيتامين بتاع النهاردة كان طعمه غريب شوية يا ياسر.. تفتكر ليه؟”.

محسن المحامي دخل ومعاه قوة من الشرطة، ومعاهم نتائج المعمل الجنائي. ياسر حاول يهرب، بس الأمن منعه. الحجة تهاني وقعت من طولها، ومريم بدأت تصرخ وتتهم ياسر إنه هو اللي خطط لكل حاجة. بصيت ليهم بوش خالي من أي رحمة وقلت: “أنتم كنتوا عايزين تحبسوني في مصحة مجانين، بس الحقيقة إنكم حجزتوا لنفسكم مكان في أضيق زنزانة في السجن”.

الشرطة أخدتهم كلهم وسط ذهول الضيوف. وقفت لوحدي في نص القصر، حسيت لأول مرة ببرد غريب رغم إني انتصرت. تليفوني رن، رقم غريب، رديت وسكتت. سمعت صوت راجل بيقول بنبرة غامضة: “مفتكرة إنك خلصتي يا ليلى؟ ياسر مجرد موظف عندي، اللي فات ده كان تسخين، اللعبة الحقيقية لسه بتبدأ، والورق اللي مضيتي عليه في فتره “توهانك” لسه معايا.. نتقابل في المزاد الجاي”.

الخط قطع، وجسمي كله قشعر.. اللعبة مخلصتش، دي لسه بتبتدي، ومين الشخص ده اللي ياسر كان شغال عنده؟ وأنا مضيت على إيه بالظبط؟

تفتكروا ليلى مضت على إيه وهي مش في وعيها؟ ومين “الكبير” اللي كان بيحرك ياسر وعيلته زي العرايس؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى